العدد 488 - الثلثاء 06 يناير 2004م الموافق 13 ذي القعدة 1424هـ

عام التحديات والتحولات!

صلاح الدين حافظ comments [at] alwasatnews.com

انقضى عام الرمادة والقحط السياسي العربي، بكل ما حمله من أزمات ومتاعب في كل المستويات.

الآن نبدأ عاما جديدا يحمل ملامح قد تكون مختلفة، من حيث الشكل والمضمون عن العام السابق، يحمل تحديات عظمى لنا، مثلما يحمل تباشير تحولات كبرى، قد يكون من باب الأمل، ان نتوقعها تحولات ايجابية.

ومن باب اقرار الواقع ايضا، نقول ان التحديات والتحولات المتوقعة في العام 2004 تأتي تحت ضغوط مزدوجة، داخلية وخارجية، وان كانت الضغوط الداخلية من جانب الشعوب والمجتمعات تبدو حتى الآن هادئة، فان ذلك لا يعني انها قاصرة، وان كانت الضغوط الخارجية، وخصوصا من جانب الولايات المتحدة الاميركية، تبدو هادرة، فان ذلك لا يعني انها وحدها المؤثرة.

لكن تضافر الداخل مع الخارج، المحلي مع الدولي، خلق حالا نشطة من الحراك المطالب بتغيير اساسي في المنطقة. يعيد قراءة الخريطة بدقة، ويعيد رسمها وفق مصالح ابنائها أولا وأخيرا، وليس مصالح الآخرين.

من باب اقرار الواقع كذلك نقول ان العام 2003 الماضي، كرس وعمق الوجود الاميركي الثقيل في المنطقة العربية، عبر غزو واحتلال العراق من ناحية، وعبر زيادة النفوذ المتعدد الاوجه في معظم الدول العربية الاخرى من ناحية ثانية، فاذا كان ذلك حدث في العام الماضي، فان الطبيعي ان نتوقع ان تعمل السياسة الاميركية، على تحقيق الاستفادة العظمى من هذا الوجود النفوذ، في العام الحالي، لتجني ثمار الحرب والضغط والا فلماذا جاءت!

لقد جاءت وحاربت من أجل اهداف محددة، أبرزها إحكام هيمنتها على «الشرق الأوسط» بمفاهيمه الاستراتيجية، وتخليصه أو تنظيفه من المشاغبين - على طريقة اسقاط نظام صدام حسين في العراق - «وتهذيب وتأديب المارقين». من محور سورية ايران شرقا، الى ليبيا غربا، وتصفية بؤر الصراع الساخنة من جنوب السودان الى عمق فلسطين بينما تظل العين ساهرة لحماية مخزونات النفط، التي تشكل ثلثي احتياط النفط في العالم كله.

وتدرك الولايات المتحدة أكثر من غيرها، ان قدرتها على تحقيق هذه الاهداف الاستراتيجية في المنطقة ترتبط اساسا بقدرتها على تحقيق سلام واستقرار يهيئ المناخ لنجاح استراتيجيتها بصرف النظر عن مدى توافق ذلك مع مصالح شعوب المنطقة وحكوماتها.

وها هي تعود الى تجديد افكار ومشروعات سياسية قديمة كانت طرحتها قبل عقد من الزمان، بصورة مزرية أو من خلال مشاركة مزدوجة مع «إسرائيل» ونعني اعادة تجديد وتطوير مشروع الشرق أوسطية، الذي يدمج «إسرائيل» في كيان المنطقة ويتيح لها نفوذا متصاعدا على حساب أطراف عربية فاعلة، وخصوصا في ظل محاولات محاصرة وتهميش الدور العربي المركزي، وبعد غزو واحتلال العراق، وابتزاز سورية، واستقطاب ليبيا وتخويف الخليج، وانهاك الفلسطينيين، وابعاد دول المغرب العربي عن الهموم المشرقية، ناهيك عن جهود تنظيف المنطقة كلها من عدوّين تعتبرهما السياسة الاميركية، هما الاخطر، بعد زوال خطر صدام حسين، ونعني بهما اسلحة الدمار الشامل من ناحية، وبؤر وقواعد الارهاب من ناحية أخرى.

فان كانت ملامح ذلك كله تبدت واضحة في العام 2003 فان تحديات العام 2004 تبدو الآن اكثر دقة وتحديدا سواء في المنظور الاميركي ذي الآفاق الكونية، أو في المنظور الاقليمي والمحلي، لكل دولة عربية على حدة، أو للنظام العربي الرسمي الذي يعاني اهتزازا عنيفا، دفع السياسة الاميركية - الاسرائيلية الى طرح بدائل له، وخصوصا تجديد طرح مشروع الشرق أوسطية، الذي سبق للعرب رفضه منذ طرحه في مطلع التسعينات.

الآن لم يعد الرفض السافر أو المقنع وحده يكفي كما كان الحال عليه قبل عقد من الزمان، فكم تغيرت الاحوال والاوضاع وكم ستتغير في الفترة المقبلة، بدرجة لن تسمح بمكان للمناورة أو التمتع أو حتى التململ، اللهم الا اذا كان موقفك قويا وارادتك السياسية صلبة ووضعك الاقتصادي متماسكا.

وباختصار نتصور ان العام 2004 سيشهد تبلورا واضحا لعدد من التحديات المهمة، مثلا:

أولا: تحدي التغيير في الخريطة السياسية للمنطقة، من خلال الضغط الخارجي، نعني من خلال الضغط الاميركي بنفوذه المتصاعد ووجوده العسكري السياسي المتزايد، ومن خلال الابتزاز الاسرائيلي بضغوطه المادية - (القمع والابادة) على الشعب الفلسطيني، وبضغوطه السياسية والنفسية على باقي العرب من ناحية أخرى.

فقد أدى الضعف بل الانهيار العربي الى تراجع الأدوار العربية المؤثرة في صوغ المنطقة حاضرا ومستقبلا، لصالح الآخرين، بعدما اصبحت أميركا هي الآن اللاعب الرئيسي وأصبحت «إسرائيل» اللاعب الرديف، بينما تراجعت الادوار العربية المهمة بشكل ملحوظ، خوفا من درس رأس الذئب الطائر في العراق، أو انكفاء على الأزمات والمشكلات الداخلية، ولعقا لجروح لم تندمل، وبكاء على حلم لم يكتمل.

ثانيا: يجرنا التحدي السابق، الى التحدي اللاحق، ونعني تحدي مستقبل الكيانات السياسية القائمة في المنطقة، على مدى القرن الماضي، فمنذ اتفاق «سايكس بيكو» البريطاني الفرنسي لاقتسام النفوذ وتوزيع مغانم الحرب العالمية الاولى في المنطقة العربية الأمر الذي خلق أمرا واقعا وأقام دولا جديدة أو قسم دولا قديمة، اعترفت بعد الاستقلال بثوابت وحدود الاستعمار.

الآن تتعرض هذه الكيانات السياسية العربية «الدول» لتحدي اعادة رسم حدودها ووجودها واعادة تعريف هوياتها وانتماءاتها وفق الاستراتيجية الاميركية الهاجمة، وبعد فشل هذه الكيانات، ليس فقط في التوحد أو التنسيق في اطار قومي أشمل وأقوى ولكن فشلها حتى في حماية استقلالها وسيادتها الوطنية، على نحو ما نرى ونشاهد علانية، انطلاقا من وضع العراق الجديد، الذي يجري الآن تفكيك دولته المركزية، باسم الفيدرالية أو الكونفدرالية بين العرب والاكراد والتركمان، وبين السنة والشيعة، ليكون نموذجا جديدا للاستراتيجية الجديدة تحت الاشراف الاميركي.

والأمر - أو التحدي ليس مطروحا على العراق وحده، ولكنه مطروح بوضوح على كل الدول - الكيانات السياسية العربية، وخصوصا المتعددة القوميات والاقليات العرقية، والدينية، فهل مصر والسعودية وسورية والمغرب والجزائر مثلا بعيدة عن ذلك؟ لا نظن!

ثالثا: تحدي الاصلاح الشامل والتطوير الديمقراطي الحقيقي الذي أصبح مطلبا شعبيا وطنيا وقوميا رئيسيا بقدر ما أصبح سلاحا أميركيا للضغط على الحكومات العربية وابتزازها وتطويعها لمزيد من التبعية والخضوع.

وبقدر وضوح الرؤية الشعبية لحتمية هذا الاصلاح، وبقدر وضوح الضغط الاميركي لاستغلاله، بقدر استمرار معظم النظم العربية الحاكمة، في سياسة التعامي والتغابي، ومحاولة المناورة الخائبة لتمرير العاصفة باحناء الرؤوس الكبيرة، حتى تظل متشبثة بالسلطة، والنفوذ والثروات.

ونظن ان العام الجديد سيشهد تطورا مهما في هذه القضية المحورية، التي لم تعد تحتمل مزيدا من التأجيل والتسويف والترحيل، فإما اصلاح حقيقي، يحقق العدل والحرية وسيادة القانون والتعددية وتداول السلطة، وإما اضطرابات لا يمكن التنبؤ بمداها ونتائجها، بعدما ضرب الاحتقان السياسي وكبت الحريات والازمات الاقتصادية الاجتماعية، بفقرها وبطالتها واحباطها، كل الدول العربية من دون استثناء!

ولم يعد مقبولا في ظل هذه الاوضاع المعقدة التحجج بتأجيل هذا الاصلاح السياسي الاقتصادي الثقافي الشامل حتى تستقر الاوضاع ويسود السلام والاستقرار وتتحرر فلسطين ويجلى الاستعمار الجديد وتندحر «إسرائيل» وبالدرجة نفسها لم يعد مقبولا - على الناحية الاخرى - الاستقواء بالخارج والاستعانة بالضغط الاميركي الذي تخشاه نظمنا، لتحقيق الاصلاح وفق الوصفة الاميركية، مقابل التجاهل الكامل للمطالب الداخلية، الاسبق والأعمق، لأن النظم الحاكمة، احترفت كبت هذه المطالب والتحايل عليها بكل السبل غير المشروعة.

رابعا: يبقى التحدي الاكبر وهو تحدي النفس والذات...

نقول ان هذا هو التحدي الاكبر، لأنه يعني الارادة السياسية المستقلة وبناء القوة الذاتية في فترة عصيبة تسودها ضغوط الهيمنة الأجنبية القادمة عبر الحدود بتأثيرات غلابة مقابل اغواء التبعية ودعوات الاستسلام، التي تموج بها دواخل مجتمعاتنا، محاولة اغراقنا في تيه من الشعارات الزائفة والنظريات المزورة التي شوهت حتى معاني الوطن والوطنية والقومية والديانة بحجة المحرمات المكروهة وتفكيك الثوابت الجامدة، والسير في ركاب العولمة، حتى لو كان ركاب التبعية المطلقة لأميركا مبتكرة العولمة وقائدها ومستغلها الأكبر.

وعلى رغم ادراكنا الواعي بأن العام الجديد يحمل لنا تحديات عظمى وربما تحولات كبرى، قد تحدث بارادتنا الحرة، وقد تحدث بضغوط خارجية قد يكون بعضها مفيدا وايجابيا، وقد يكون عكس ذلك، فان العبرة تظل دائما وفق منطق التاريخ وقوانين التطور، مرتبطة بنا نحن وبقدراتنا وارادتنا في الاصل والاساس، بينما يظل المناخ الدولي والضغط الأجنبي عاملا مساعدا.

ونعني ان المحرك الاساسي والمؤثر في التغيير والتطوير في حماية الاستقلال والسيادة في الدفاع عن الوطن والمواطن، في اختيار نظام الحكم وطبيعة الحاكم، في اعادة توزيع الثروة بالعدل، وتداول السلطة بالشرعية والقانون، في ضمان الحريات واحترام حقوق الانسان في اجراء انتخابات نزيهة وبناء النموذج الديمقراطي السليم، المحرك الاساسي هذا، يكمن اساسا في اعادة بناء القدرات الذاتية واستعادة الارادة الحرة والسيادة المستقلة، بعد ان غيبتها العواصف الجامحة والاعاصير المتربة، فزاغت الابصار واضطربت البصائر وحين جرى ما جرى تراجعت قيمة العقل وانتهكت الحرية، فسادت العشوائية والخرافة وتحكم الاستبداد وأصبح الباب مفتوحا للغزو الجديد تحت شعار تعزيز الحرية ومكافحة الاستبداد!

التحدي الحقيقي في العصر الجديد، ان نعيد الاعتبار إلى كل القيم السامية، وخصوصا قيمة العقل والحرية، التي تنير الطريق في عامنا الجديد، بل في كل الاعوام.

مدير تحرير صحيفة الأهرام

إقرأ أيضا لـ "صلاح الدين حافظ"

العدد 488 - الثلثاء 06 يناير 2004م الموافق 13 ذي القعدة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً