العدد 527 - السبت 14 فبراير 2004م الموافق 22 ذي الحجة 1424هـ

نحو استقرار وهمي للدولار مقابل اليورو

في قمة الدول الصناعية السبع الكبرى

سمير صبح comments [at] alwasatnews.com

.

بعد مناقشات طويلة وصعبة، أقر وزراء مالية الدول الصناعية السبع الكبرى ومحافظو مصارفها المركزية، المجتمعون في قمة «بوكا راثون» بفلوريدا، بأن الخلل الفاضح في أسعار صرف العملات الرئيسية من شأنه أن يستمر في انعكاساته السلبية على نمو الاقتصاد العالمي، بناء على هذا الواقع المقلق، توصل المجتمعون لاتفاق يقضي بالعمل على ايجاد حال من الاستقرار النوعي في معادلة اليورو/ الدولار التي باتت تربك الاقتصاد الكوني في هذه المرحلة. يبقى السؤال بشأن ماهية ردود فعل الاسواق المالية على القرارات الصادرة من أعلى الهرم. فبعد مرور 48 ساعة على صدور البيان المشترك، الداعي لهذا التصحيح النقدي المنشود حافظت العملة الأوروبية المتحدة على قوتها معززة التوقعات بالاستمرار في وتيرتها التصاعدية.

تعتبر البيانات الصادرة عن الدول الصناعية السبع الكبرى بمثابة وثائق ومؤشرات على قدر كبير من الاهمية بالنسبة الى الاسواق المالية العالمية. إذ يفترض فيها من حيث المبدأ على الاقل تحديد أصول اللعبة التي توافقت عليها الأطراف المعنية، وتريد من الآخرين احترامها بهدف رفع مستويات معدلات النمو التي شهدت تراجعا ملحوظا في السنوات الثلاث الماضية. فالطريقة الأفضل لتحقيق هذا الهدف، تكمن في خوض اللعبة مجتمعين، مظهرين تماسكا ونية في التعاون الى اقصى الحدود لاعادة التوازنات المالية العالمية لسابق عهدها.

فبقدر ما تكون الرسالة واضحة في هذا الاتجاه، بقدر ما سيكون من الأسهل على هذه الاسواق المالية التعاطي مع التحولات الجارية. كذلك فبمقدار ما يكون التعميم السياسي حازما، بمقدار ما تكون الاغراءات لدى رجال المال والاعمال والمضاربين في البورصات للذهاب بعيدا في تحدي قرارات الكبار ضعيفة. لكن بالنسبة الى ما حصل في «بوكا راثون» فتجدر الاشارة إلى أن التفاهم بدأ كأنه بعيد المنال نظرا لقيام الاضداد بالكشف علنا، وقبل أيام من القمة، عن تبايناتهم المصلحية.

فالرئيس الأميركي جورج بوش الذي دخل عمليا في صلب معركته الانتخابية، لم يعد لديه أي سبب أو مصلحة في تهدئة اللعبة المالية والضغط باتجاه استقرار معادلة سعر صرف اليورو مقابل الدولار، طالما ان هذا الاخير يدعم النمو الاقتصادي ويعزز حجم الصادرات. مع ذلك، فان البيان الختامي للقمة يعد توضيحا مفاجئا ومرحبا به وذلك بشرط ان تزن العمليات الواردة فيه بما فيه الكفاية داخل الاسواق المالية، على أية حال يتساءل المحللون عن طبيعة قراءة المستثمرين للمعطيات الجيدة التي قدمتها قمة وزراء خارجية الدول الصناعية السبع الكبرى هذه المرة. الجواب: جاء على لسان حاكم المصرف المركزي الفرنسي كرسيتان نوبيه الذي أشار الى انه يجب قراءة واعادة القراءة لمرات كثيرة، وبكثير من الانتباه والدقة للبيان، مضيفا «بأن كل كلمة وفاصلة وردت فيه قد وضعت بعناية مطلقة».

من جهته وضع وزير المال الفرنسي فرانسيسكير المشرفين على الاسواق المالية أمام مسئولياتهم.

فهل سيصحح اتفاق فلوريدا سوء التفاهم الذي حصل في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين الذي عقد في دبي في شهر سبتمبر/ ايلول الماضي؟ كل المعلومات المتوافرة حتى الآن لدى المعنيين بهذا الشأن تؤكد أن الخطوط العريضة والقرارات كانت واضحة بما فيه الكفاية. لكن هل هي كافية لاقناع القيّمين على الاسواق المالية؟ من السابق لأوانه المغامرة بالرهان على ما سيحدث في الاسابيع المقبلة، علما بأن خبراء اسواق النقد، يؤكدون ان اليورو سيستمر بتعزيز مواقعه بشكل منتظم ومدروس حتى يتجاوز سعر صرفه عقبة الـ 1,40 للدولار الواحد بنهاية 2004.

التفاهم - المفاجأة وحدوده

بعد تصلب لم يخلو من «العنتريات» من جانب وزير الخزانة الاميركي جون سنو لناحية استخدام سعر صرف الدولار لدعم النمو الاقتصادي، عاد هذاالاخير وفريق عمله للقبول بالحجج التي قدمها الأوروبيون. فتسريع ارتفاع اليورو مقابل الدولار لم يعد يعكس الاساسيات الاقتصادية. ذلك لأن أوروبا تعيش حاليا فترة انتعاش رخو، في حين ان الولايات المتحدة، عاودت ربط اقتصادها بقاطرة توسع فاعلة. هذا ما أقر به الخبراء الاميركيون المرافقون لوزير الخزانة.

فالاقرار من قبل الجميع بأن التأرجح الزائد عن حده في أسعار صرف اليورو والدولار اضافة إلى الحركات غير المنتظمة للرساميل، باتا غير مرغوب فيهما، اذا ما كان الهدف هو الوصول الى ارساء معدلات نمو اقتصادية معقولة. ويفتح هذا الموقف الباب مفتوحا امام تدخل منسق، في حال لم تتجاوب الاسواق المالية مع التوجهات الجديدة، كما وتعتبر هذه الخطوة بمثابة انتصار لـ «البنك المركزي الأوروبي» ولرئيسه الفرنسي جان كلود تريشيه الذي كان البادئ باطلاق صفارة الانذار منذ الثامن من شهر يناير/ كانون الثاني الماضي.

فالاميركيون بدوا محرجين الى حد كبير وخصوصا عندما أتى البيان على المطالبة بمرونة اكبر من قبل البلدان، اذ يسيطر الخلل في منطقتها النقدية، بمعنى آخر الاسواق المالية الاميركية.

باختصار يمكن القول بأن قمة الدول الصناعية السبع الكبرى قد شكلت منعطفا. بمعنى أنه من السابق لأوانه الاستنتاج بأن رياح قمة «اللوفر» قد سحبت نفسها على «بوكا راثون» وينبغي التذكير انه في فبراير/ شباط من العام 1987 عقدت قمة هذه الدول في «اللوفر» بهدف توقيع اتفاق اطلق عليه يومها اسم «استقرار اسعار صرف العملات الكبرى» جملة اساسية لم ترد في بيان فلوريد الاخير.

لكن من دون الذهاب بعيدا على هذا النحو، فإن القمة الاخيرة لم تعد تسير وفق منطق التصريحات المخصصة لتشجيع المعنيين على خفض قيمة الدولار، كما بدأ الوضع في ربيع العام 2002. الذي سيطرت عليه اجواء اتفاقات «بلازا» التي تمت في سبتمبر 1985. في ذلك الحين، اجتمع الحراس النقديون في العالم - عددهم حينئذ خمسة - بسرية تامة بفندق «بلازا» بنيويورك لاتخاذ قرارهم بمواكبة ارتفاع سعر صرف الدولار. عملية ناجحة الى حين وصل الامر - كما هو حاصل اليوم - الى انخفاض سعر العملة الاميركية الذي يتوجب معه ضرب النفير في جميع الاتجاهات.

ويرى الخبراء في هذا السياق أن كبار وزراء المال في قمة فلوريدا كانوا يعلمون جيدا بأن الاسباب التي تقف وراء هذا التدني المستمر في سعر صرف الدولار الى نسبة 25 في المئة مقابل اليورو و15 في المئة مقابل الين الياباني، لاتزال قائمة، ذلك بدءا من ضخامة العجز في ميزان المدفوعات الجارية. كما تجدر الاشارة إلى أنه يتحتم العلم فيما اذا كانت واشنطن راغبة في خفض العجز الجاري من 5 الى 2,5 في المئة لناتج الدخل القومي الاجمالي. كذلك المعرفة ايضا فيما اذا كان المؤشر - المرجع المتعلق بالدولار - مقابل العملات التسريعة لأميركا، يجب ان يتراجع بقدر الخسارة نفسها، أي بنحو 15 في المئة لكن ليس بالضرورة بان يكون ذلك مقابل اليورو.

ومن النقاط الايجابية الاخرى التي ساهمت بالتوصل للتسوية المعلنة، اظهار الاميركيين مرونة استثنائية بشأن مسألة عجز موازنتهم بحيث ان الوزير جون سنو أعلن بأن سياسات الموازنات السليمة هي ايضا من العوامل الاساسية لتحقيق نمو دائم ومنتظم بمعدلاته. فخلال النقاشات شدد هذا الاخير على ارادة واشنطن في الطلب من الكونغرس مساعدته للسيطرة على النفقات. لكن هذه الوعود تبدو غير واضحة وخصوصا عندما نعلم بأنها تبقى مرهونة بمشيئة الكونغرس، وليس بالسلطة التنفيذية، فهي باختصار ومن دون ادنى شك، ثمرة الاستياء المتزايد لدى النواب الجمهوريين، اكثر منها كحجج مقنعة قدمها الاوروبيون من جهتهم اكد هؤلاء انهم سيتابعون السير في طريق الاصلاحات لناحية المرونة في ظروف العمل والتقاعد ومجال الصحة على رغم حسن الارادات والنوايا، لا يمكن حتى الآن بنجاح هذه التسوية، الا اذا ترجمت بانعكاسات حقيقية في المدى القصير.

مناخ من عدم الاقتناع

اذا كان وزراء المال وحكام المصارف المركزية للدول الصناعية السبع الكبرى قد رضوا بنهاية القمة، تفسير بنود البيان الختامي. فالاسواق المالية هي التي تولت هذه المهمة. فالبنسبة الى هذه الاخيرة لم يتغير أي شيء بعد مرور يومين. على ذلك يعلق خبراء بورصتي باريس ولندن بالقول: «لا نعتقد ان الاميركيين يرغبون فعلا باحداث تعديل ذي مغزى يتعلق بالدولار الضعيف» فاذا كان الوضع هكذا فإن البيان المذكور كان قد استخدم عبارات اكثر صلابة وتشددا. ما معناه بان الجميع مشفق على ما يبدو بأن يحافظ سعر صرف اليورو مقابل الدولار على الهدف المحدد اصلا بـ 1,40.

في التحليل عينه، يرى رئيس قسم الصرف في بنك مورغان ستن ستانلي بنيويورك ثيم ستيوارث ان القمة قد اشارت الى وتيرة من الخفض والتوزيع الجغرافي وليس للمستوى. على أيه حال يرى الخبراء بأن اليورو قد بدأ منذ بداية العام الجاري يأخذ منحى تضخميا اكبر من قيمته الفعلية. ويخشى المتعاملون في الاسواق الأوروبية من امكان تدخل المصرف المركزي الأوروبي في حال تجاوز سعر الصرف 1,30 مقابل الدولار. لكن الكثير منهم يبقى متشائما لناحية عدم رغبة الاتحاد الفيدرالي الاميركي المساهمة بعملية من هذا النوع. لذلك فان الانعكاس سيكون مهددا. على أية حال يرى البعض الآخر بانه من الافضل العمل على خفض تدريجي وبطيء لسعر صرف اليورو بدلا من اللجوء الى كسره.

فأيا تكون التصورات والتبريرات فانه من الصعب الاقتناع بأن قمة الدول الصناعية السبع الكبرى هي القادرة على تغيير النظرة المكونة لدى الاسواق المالية حيال سعر صرف الدولار. المهم أن تشكل القناعة لدى الاحتياطي الفيدرالي الاميركي الذي يستمر حتى الآن بدعم السياسة النقدية المتبعة من قبل الادارة الحالية، والذي لا ينفك عن تسريب المعلومات القائلة بانه ينوي رفع معدلات الفائدة على الدولار في الاشهر المقبلة، لذلك فان تصريحات آلان غريسبان رئيس هذا الاحتياط اليوم سيكون مهما كونه سيحدد المسار الذي ستنهجه الاسواق المالية الاميركية ومدى ضبط ايقاعها على توجهات القمة الأخيرة

العدد 527 - السبت 14 فبراير 2004م الموافق 22 ذي الحجة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً