العدد 615 - الأربعاء 12 مايو 2004م الموافق 22 ربيع الاول 1425هـ

حياة لا تموت

فاطمة الحجري comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

بحثت ذات يوم في أوراق تاريخ لم يدون بعد، كنت بصدد خط وقفة عن حياة أحمد الاسكافي بعد 18 عاما على ذكرى رحيله، لم أكن أعرفه لا من قريب ولا من بعيد، وحدها مساحة الحرية التي أرتفع سقفها في السنوات القليلة الماضية من دفعتني للتعرف على حياة أناس غيبهم الموت، فوجدت أن الموت نفسه يعجز عن تغيب ارثهم الإنساني الذي تتناقله الأجيال بقدر وافر من الوفاء... فلا أثمن من هكذا إرث لا يخضع للفناء أو النضوب.

لا يختلف حال من عاشر الإسكافي وتعلم منه الدروس والحكم خلال مشوار عمره القصير، عن من لا يعرفه، فالكل متساوي الآن، مع فارق في طريقة التلقي، أناس قدر لهم أن يستقوا الدروس من المصدر، وأناس يجدون الدروس ذاتها مخطوطة على جدران السنابس، فوجه الإسكافي ودروسه تقبع في ملامح كل الرسوم التي يطل منها بالابتسامة المعهودة ذاتها، وعيناه لا تزال تؤكد على الأهداف السامية وتحكي المواعظ ذاتها.

كان حلمه أن يبقى مشروع تعليم الصلاة مستمرا، أن يتوحد أبناء القرية على المحبة والتسامح، إن تصفى النفوس وتعبر على الماضي بكل ما فيه من جراح وأحزان... سعى جاهدا إلى تحقيق ما كان يحلم خلال حياته، قبل المنفى الذي كانت جغرافيته تتغير بحسب تقلبات الطقس السياسي، وبالفعل حقق ما جاهد لأجله وأستمر الحلم واقعا متجسدا حتى بعد أن غيبه الموت، إذ بقت روحه ثائرة على التحول إلى عدم، ذلك لأن جيلا بأكمله بقى من بعده محتفظا بالحلم وصار مصر أكثر من الإسكافي على تحويله إلى واقع معاش...

كان الإسكافي ينام ويصحوا على هما واحد، هو أن يعرف الشباب ماهية الحب، ابتداء من حب الله وانتهاء بحب الوطن، وفي مهرجان الإسكافي تكتشف حقيقة لا تقبل للجدل، مفادها أنه خرج من دائرة السنابس التي حفظت الدرس وطبقته عن ظهر قلب، ليعلم البحرين بأكملها حب لا يفقهه كثيرون، هو حب الأرض، ذلك الحب الذي لا يخضع لحسابات الغدر أو الهجر أو الخيانة.

في قرية السنابس يتبارى الإسكافيين الصغار الآن على وضع ملامح الجداريات التراثية التي جعلت السنابس تبدو بأحلى حله لها على مدى السنوات العابرة، ويتسابقون بقدر وافر من التحدي والصدق لإنجاز أكبر الجداريات حجما، لا يعرف جميعهم من كان الإسكافي، وكيف كان، ربما يعرف البعض أنه الأب الروحي لأبناء القرية، وأحد رجلها البارزين، كما قدمت لهم اللغة الصحافية خلال التغطيات، لكن المتعمق منهم سيبحث كما فعلت، ليجد نفسه واقفا أمام حي يقاوم الموت بطرق شتى، ولا يزال يعطي الدروس الواحد تلو الأخر...

في كل لوحة، تجد المارة والزائرين يحدقون في الرسالة التي عاش ورحل من أجلها الإسكافي ، ويجدونه يحدق فيهم هو الآخر.

كتبت ذات مرة أنه في كل فرد من أبناء السنابس يوجد بقايا إسكافي، لكني اجزم اليوم أننا جميعا بقايا بين الموت والحياة، وما الإسكافي إلا معنى لحياة لا تعرف الموت

إقرأ أيضا لـ "فاطمة الحجري"

العدد 615 - الأربعاء 12 مايو 2004م الموافق 22 ربيع الاول 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً