العدد 2372 - الأربعاء 04 مارس 2009م الموافق 07 ربيع الاول 1430هـ

منظومة القسْر

جعفر الجمري jaffar.aljamri [at] alwasatnews.com

-

الذين يريدون للشاعر، والقاص، والروائي، والفنان التشكيلي، والموسيقي، والكاتب، والإنسان عموما أن يهتم بنصه وفضاء لونه ورؤيته، وخبزه اليومي، من دون الالتفات إلى ما يحدث في المحيط الذي يشتغل فيه على ذلك النص واللون والرؤية والخبز، إنما يسعون إلى تعقيمه. فصل أي من أولئك عن حقيقة المكان/ الفضاء وتفاصيله، والشروط التي تحدد التحرك فيه، هو محاولة ساذجة ومكشوفة، ودعوة صريحة لإخضاع ذلك النص واللون والرؤية والرغيف والإنسان عموما لمنظومة القسْر التي تحدِّد لون وطعم ورائحة ذلك المكان، لون وطعم ورائحة الشرط.

في منظومة القسْر تلك يتكشَّف يوما بعد يوم، كم تسعى تلك المنظومة إلى إدخال الوعي والإدراك، وما يصدر عنهما في مِلاكها وملكيتها، وتجييرهما في سبيل توسُّع تلك المنظومة وامتدادها وهيمنتها، ومن ثم الهيمنة على الواقع وتصييره وتوجيهه بما يخدمها ويكرِّس تلك الهيمنة وإحلالها كواقع ماثل.

وعلى رغم أن «السلطة تنتج الواقع، ثم تعمد إلى قمع ذلك الواقع»؛ إلا أنها لا تكفُّ عن تلك المحاولة. محاولة تطوير منظومة القسْر تلك والإنفاق عليها ببذخ بالغ، وإن افتقر واقع البشر إلى الضروري من حاجاته وحقوقه والنزر اليسير من كل ما يدل على آدميته وإنسانيته. مثل ذلك التوجُّه يكشف عن وهمين: وهم قدرة تلك المنظومة على التأصيل للواقع تبعا لحاجاتها، وضرورة بقائها بحُزَم من الإكراهات، ووهم أن مثل ذلك التأصيل والتراكم في الإكراهات سيخلق واقعا غير قابل للتغيير والمساءلة، ومن ثم الثبات وإكسابه الشرعنة.

كل منظومات القسْر التي قامت واندثرت في الدنيا، متتبعة هاجسها وحسها ونواياها الأمنية، لم يقدَّر لها أن تترك أثرا في تاريخ الإنجاز البشري. لا منظومة قسرية/ أمنية في العالم تركتْ أو خلقت منعطفا مصيريا لصالح شعوبها، عدا الحديث عن غيرها من شعوب الأرض، مهما امتلكت من قوة وبسطة ونفوذ؛ لأن الممارسات تلك تصطدم اصطداما مباشرا مع الفطرة الإنسانية، وتعمل عملها في الاستفزاز والتمرُّد، على رغم ضعف الإمكانات والقدرات؛ إلا أنها تظل قادرة في منعطفها الخاص والحاسم أن تحيل تلك المنظومات إلى متاحف التاريخ مفتوحة على اللعنة وسوء الصيت.

إقرأ أيضا لـ "جعفر الجمري"

العدد 2372 - الأربعاء 04 مارس 2009م الموافق 07 ربيع الاول 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً