العدد 2804 - الإثنين 10 مايو 2010م الموافق 25 جمادى الأولى 1431هـ

كراهيات صادمة لكنها سريعة الزوال

نادر كاظم comments [at] alwasatnews.com

.

تحدثت في مقالة سابقة عن الكراهيات المصطنعة، وهي نوع من الكراهيات لا ينطوي، بالضرورة، على حقد حقيقي كما في الكراهيات الحقيقية، بل هي، بالدرجة الأولى، كراهيات يجري التوسّل بها واستثمارها لمآرب سياسية أو غيرها. إلا أن هذا لا يعني أن الكراهيات الحقيقية سوف تنقرض، أو أن أصحاب الكراهيات الحقيقيين والصادقين مع أنفسهم سوف يختفون نهائياً من المشهد. بل على العكس من هذا؛ لأن تكتيكات الكراهية المصطنعة تعتمد، أساساً، على الكراهيات الحقيقية، وهي تتوسّل، في الغالب، بأصحاب الكراهية الحقيقيين (أو من يتظاهرون بأنهم كذلك) الذين يتم تجنيدهم بطرق خفية، وأحياناً بطرق غير مباشرة وعبر وسطاء عديدين وبأساليب لا تختلف كثيراً عن أساليب تجنيد العملاء السريين في العالم السرّي للمخابرات. وعلى هذا، فقد يحصل أن ينخرط أصحاب الكراهية الحقيقيون في لعبة إنتاج الكراهية وتداولها وهم لا يعرفون، أساساً، من يقف وراء هذه اللعبة ومن يحرّك خيوطها ويضبط إيقاعها ويستفيد من عواقبها وانعكاساتها، وربما كانوا لا يعرفون حتى أنهم مجرد أدوات مستخدمة لمآرب أخرى وفي خدمة لاعبين آخرين. وقد يكون السبب في ذلك أن هؤلاء لا يستفيدون شيئاً من هذه المعرفة؛ ذلك أن التعبير عن الكراهية عادة من عاداتهم، بل هذه هي لعبتهم المفضّلة التي لا يجيدون لعبة أخرى غيرها، كما أنهم مستعدون، في كل وقت، للتعبير عن كراهيتهم، وهم على قناعة تامة بأن التعبير عن هذه الكراهية إنما يخدمهم ويصبّ في مصلحتهم في كل الأحوال. فإذا كان الحال كذلك، فماذا يهمّ لو تبيّن لهم أنهم مجرد أدوات مستخدمة في لعبة الكراهية، وأن ثمة جهة أخرى تستفيد من ذلك وهي من تضبط إيقاع هذه اللعبة وتحرّك خيوطها في الخفاء؟ أليس أحرى بهم أن ينظروا إلى ذلك على أنه نوع من تقاطع المصالح أو من المصالح المشتركة؟

ومع هذا، فإن هذا لا يعني أن تحركات أصحاب الكراهية الحقيقيين ستكون سلسة وعلنية؛ لأن علينا ألاّ نقلل من أهمية قوى المجال العام ودور استراتيجيات الردع في كبت الكراهية وتضييق الخناق على أصحابها. فإذا كان صحيحاً أن الكراهيات المصطنعة قد افتتحت مرحلة جديدة في تاريخ الكراهية، فإن الصحيح كذلك أن قوى المجال العام واستراتيجيات الردع قد وضعت سلفاً قوانين هذه المرحلة وأصول هذه اللعبة. وأول هذه القوانين أن لكل كراهية ثمناً، وثمناً ينبغي أن يدُفع غالياً، وغالياً جداً في بعض الأحيان. صحيح أن هذه القوانين لن تنجح في تحويل الجميع إلى أناس محبين وعطوفين ومسالمين، ولن تقتلع جذور الكراهية من قلوبهم، لكنها ستجبرهم، طائعين أو مكرهين، على الاحتفاظ بكراهيتهم في دواخل أنفسهم وداخل فضاءاتهم الخصوصية المغلقة فقط. أما إذا أراد الواحد من هؤلاء أن يعبّر عن كراهيته في المجال العام وأمام الأضواء وخارج هاتين العزلتين المظلمتين (عزلة النفس وعزلة الفضاء المغلق)، فإن هذا ليس مستحيلاً، إلا أن الخيارات فيه باتت محدودة جداً. وهناك ثلاثة خيارات: فإما1- أن يُقدِم المرء على المجاهرة بكراهيته في المجال العام، وفي هذه الحالة فإن عليه أن يهيئ نفسه لمواجهة المتاعب وللأثمان الباهظة التي سيكون عليه تسديدها بعزلته وعيشه في الخفاء وتحت حماية الشرطة أو بموته اغتيالاً في أية لحظة كما حصل مع المخرج الهولندي ثيو فان غوخ. وإما 2- أن يتحايل على التعبير عن هذه الكراهية بحيث يجاهر بكراهية مقنّعة وموارِبة لا يطالها القانون ولا أخلاقيات المجال العام، وفي هذه الحالة قد ينجو بفعلته وقد لا ينجو. وإما 3- أن يعمد إلى التعبير عن كراهيته المنفلتة والصريحة ولكن عبر التوسّل بقنوات التواصل الخفيّة. وقنوات التواصل الخفية مفهوم نستخدمه، هنا، ليشمل أشكالاً متنوعة من المجاهرة بالكراهية، إلا أنها مجاهرة، في معظمها، مجهولة المصدر وتنتشر عبر قنوات خفية ومسالك سريّة، وذلك مثل الكتابة مجهولة المصدر على الجدران، والكتب والكتيبات والكاسيتات والأقراص الممغنطة مجهولة المصدر التي ترمى على أبواب المنازل ليلاً، أو تعلّق من وراء ستار على نوافذ السيارات في المواقف العامة، والكتابات والتعليقات المنشورة بأسماء وهمية مستعارة في ساحات الإنترنت المختلفة في المنتديات والشبكات الاجتماعية الإلكترونية وعبر الإيميلات وحتى في الصحف.

حينما تُذكر الكراهيات التي تتوسّل بقنوات التواصل الخفية، فإن الهاجس الأوحد الذي يتملك الكثيرين هو معرفة من يقف وراءها، فترى الجميع يتساءلون، بحماسة، عن صاحب الأيادي الشيطانية المجهولة التي قامت بهذه المهمات «القذرة» بكتابة هذه التعليقات، وإعداد الكاسيتات والأقراص الممغنطة، وتسريب كل هذه الكراهيات المنفلتة عبر الإنترنت وفضاءاته المتنوعة. إلا أني أتصوّر أن هذا هاجس ينبغي أن يتملّك القضاة والمحققين الممسكين بملف التحقيق في مثل هذه القضايا، أما خارج دائرة القضاء والتحقيق فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع هو: لماذا لم يكن لدى صاحب هذه الأيادي الخفية من الجرأة للظهور العلني أمام الناس أو حتى وضع اسمه الحقيقي من أجل التأكيد على ملكيته الخاصة لكتاباته وتعليقاته ومواده السمعية والبصرية في الكاسيتات والأقراص الممغنطة؟ أو لماذا لم يعد أصحاب الكراهية يمتلكون من الجرأة ما يجعلهم يجاهرون بكراهياتهم المنفلتة في المجال العام وأمام الأضواء في صحيفة طائفية هنا أو في نشرة عنصرية هناك؟ قد يرجع ذلك إلى فاعلية استراتيجيات الردع، وإلى أن أصحاب الكراهيات لم يعودوا يتمتعون بقوة البأس والتحمّل التي تحميهم من مواجهة تبعات ذلك ومتاعبه وانعكاساته التي لن ترحمهم ولن تتسامح مع صحفهم أو نشراتهم. وهذا ما يدفع أمثال هؤلاء إلى إيثار السلامة باللجوء إلى قنوات التواصل الخفية والمسالك السرية والآمنة لإرسال كراهياتهم، وذلك ظناً من هؤلاء بأن الكراهيات تصيب هدفها حتى بمعزل عن اسم صاحبها الحقيقي.

إلا أن الحاصل أن الكراهيات ما إن جرى كبتها في المجال العام، وتوسّلت، على إثر ذلك، بقنوات التواصل الخفية والسرّية التي تنتعش في الخفاء المظلم: خفاء الإنترنت، وخفاء النشر الورقي، وخفاء الكتابة على الجدران، وخفاء الكليبات التي تتوزع بين الموبايلات والإيميلات والمنتديات الإلكترونية، ما إن حصل هذا حتى أصبحت الكراهيات هشّة وسريعة الزوال والنسيان. صحيح أن هذه كراهيات صادمة وصارمة في حدَّتها الاستفزازية وأنها تمتلك من قوة التأثير والجرح ما لا طاقة للكثيرين منا على تحمّله، لكن لا ينبغي أن ننسى أن الكراهيات، بذلك، تحوّلت إلى كراهيات سريعة الزوال والنسيان، فالمرء يصطدم بها بقوة حين يشاهدها أو يقرأها أو يسمعها أول مرة، إلا أنه سرعان ما يرميها وراء ظهره ويتجاوزها وكأنها لم تكن. ولندلّل على هذا بمثال قريب منا، ولنعد بذاكرتنا إلى ذلك الكتيب القبيح الذي انتشر عبر الإيميلات ويتحدّث بكراهية بغيضة عن «خرافة السكان الأصليين» وعن «الشيعة في البحرين، من أين أتوا». كثيرون اطلعوا على هذا الكتيب، وكثيرون استشاطوا غضباً بعد قراءته، ولكن مَن مِن البحرينيين مازال يحتفظ الآن بنسخة من هذا الكتيب القبيح؟! أو من منكم قد حصل، لسوء حظه، على نسخة من كتيب كريهٍ وُزِّع في موقف عام للسيارات أو نسخة من قرص ممغنط تافه وَجَده مرمياً داخل فناء بيته، من منكم حصل على شيء من هذا ومازال يتذكّر محتوياتها أو مازال يحتفظ بها؟! لقد أصبحت الكراهيات المنفلتة تتوسّل بقنوات خفية، وهذا أمّن لها جرأة استثنائية لأن الجبناء عادة ما يستقوون في الخفاء وفي الأجواء السرية، إلا أن هذه الكراهيات فقدت، بذلك، رسوخها وثباتها القديمين. ويبدو أن الكراهية، تماماً كما الحب، شكل من أشكال التواصل البشري، إلا أنه تواصل يتطلب حضوراً مشخَّصاً ليؤدي وظيفته على أكمل وجه. وليس المقصود بالحضور المشخَّص أن الكراهية تتطلب لقاء مباشراً وتلاقياً شخصياً، بل المقصود أن الكراهية لا تصيب أهدافها إلا إذا تجسّدت في شخص معلوم (أو جماعة أشخاص) ظاهر للعيان، يقف وراءها، وتنتسب هذه الكراهية إليه. ولكن الكراهية حين توسّلت، بسبب جبنها وجبن أصحابها وطابعها المصطنع، بقنوات التواصل الخفية، فإنها فقدت طابعها المشخص بحيث لم تعد منسوبة إلى شخص بعينه يتعهدها ويتحمل مسؤوليتها، وهي، بذلك، فقدت قوتها وثباتها ورسوخها.

إقرأ أيضا لـ "نادر كاظم"

العدد 2804 - الإثنين 10 مايو 2010م الموافق 25 جمادى الأولى 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 8 | 11:29 ص

      الى زائر 3

      أحس انك فقيل على القلب... لو سمحت عطنا امقفاك من اهنيه احسن لك.... باين عليك مال زرايب وحوط.. انقلع....

    • زائر 7 | 11:24 ص

      هرار زائر رقم 3

      باين الأخ ما عنده شغل!؟ روح شوفلك مكان مومكتوب لك فيه عن الكراهيه, وصيع لك اشوي..

    • زائر 5 | 3:13 ص

      ملحوظة لزائر3 اكره الكراهية أحسن لك

      انا اقول ما عليك من يا دكتور استمر واذا حدا كره الكراهية فهذا نتيجة طيبة وحسنة

    • زائر 4 | 2:42 ص

      واجد

      واجد تتكلم عن "كراهيات"
      أحس كرهنا الكراهية الا تكتبها
      مو استنقاصا منك ولا من مستوى فكرك ولا من معالجتك لبعض الأمور
      لكن أحيانا مانحتاج هالكم من هالكلام!
      وهذا رأي شخصي بدون تجريح

    • زائر 2 | 1:50 ص

      كلام جميل

      اتفق معك اتفاقاً تاماً، صحيح فتش في نفسك فإن وجدتَ كراهيتاً لاحد او لطائفة او لدين فبحث من المنتفع منها..... دكتور تفضل علينا بالكتابة فيما يصطلح علية "بالعقل الجماعي" و انسياق القطيع مجازاً و طرق التفكير العامة....
      طاهر 

    • زائر 1 | 1:09 ص

      وعادت الكراهية

      وعادت سلسلة الكراهية، ما كنا كويسين الأسبوع الماضي يا دكتور.

اقرأ ايضاً