العدد 2805 - الثلثاء 11 مايو 2010م الموافق 26 جمادى الأولى 1431هـ

أُكذِّب بكَ الموت

بروين حبيب comments [at] alwasatnews.com

كلماتي جريحةٌ ذلك الصباح، وأنا أقرأ اسمك في صفحة الموت.

كيف يموت من كان حيّاً وحياته ليست له؟ من عاش حياة سواه وحتى في الكتابة لم يكن عشقه لكتابته، من لم تكن لديه النرجسية الكافية، النرجسية التي لنا، حتى يكتب عشقه لكتابته فكان «دريدا عربياً» كتابه الوحيد كتاباً في عشق كتابة الآخر.

هل كان يلزمني كل تلك المرثيات، يا محمد حتى أصدق أن الموت الذي نازلته لأربع سنوات، من عمرك المتألق هزمك أخيراً؟

والآن، يا صديقي، بأي كلمات أودع من كان حيّاً كل هذه الحياة...

في خاطري الآن طيفك اللطيف يمر في الجامعة، حيويتك، الشاخصة في عينيك البراقتين بريقاً ودوداً وذكياً، لن أنسى، ما حييت، ذلك البريق.

أنهض من صدمتي، أفتح النافذة، أتنشق هواء الربيع، يا للحياة كم هي جميلة، الحياة الجميلة تخسرك. الحياة الجميلة تخسرك مراراً؛ مرة في الكتابة، ومرة في ذكاء الكلام على الكتابة. مرة في الجامعة، ومرة في الطريق إلى الصحيفة... ودائماً في المجتمع، حيث فكرة الجماعة، مقابل فكرة الفرد. وفكرة الشعب مقابل فكرة الطائفة. وفكرة الأمة مقابل فكرة القبيلة.

لم يأتِ ولعك بدريدا من فراغ، ولكن من شعور عميق بالحاجة إلى فكر يفكك الأفكار السائدة، والصيغ السائدة لحياة تتجدد في خضرة الشجرة وتتقادم في الايديولوجيا، حياة ما قبل المجتمع... في عصر المجتمعات... عند هذا المفترق ذهبت في طريق وذهب آخرون في طريق أخرى. وبينما كانت النوايا الحسنة، تقود مرات إلى الخطأ، فيجرّمك البعض، على موقف هنا ويعاتبك البعض على زلة هناك، أحتكم إلى ابتسامتك الصافية، وأنصت إلى قلب ابن المحرق الخافق بحب البحرين.

أحدِّث نفسي بينما صورتك تتلامح لي، ولكن عَمَّ أحدّثها: عن المثقف العضوي الذي آمنت به، عن النقد الثقافي، بوصفه فضاءً جديداً للتفكير؟ أمْ عن فكرة النقد بوصفها أفقاً لكل فكر يريد أن يتجدد، ولكل ابتكار وكل جمال فني أو أدبي؟

كنتُ في الشام، عندما جاءني الخبر الحزين، طاشت ذاكرتي، وطشت وراءها، إلى لقاءاتنا في أولى سنوات الجامعة/ جامعة البحرين، كنتَ شاباً أسمرَ طويلاً شديد النشاط والحيوية/ متقد الذهن/ لامع الفكرة دائماً/ شغوفاً بالأدب... فيما بعد أصبح الدكتور صلاح فضل مشرفنا في الدراسات العليا. في الجامعة جمعنا حب الشعر، وكان قاسم حداد شاعر تلك الأزمنة...

وفي ما بعد، بعد الأفكار والمحاضرات والطلبة وبعد المجلات والصحف وعشرات المشاريع التي ابتكرها وحركها بذهنه المتقد وروحه العارمة، وعندما علم بمرضه وعلمنا به، طريقتك الشجاعة جعلتنا، مرات، ننسى أنك مريض، بدا الأمر كما لو كان مزاحاً ثقيلاً مَرَّ، ونسينا. حتى لقاءاتنا السريعة في الأوطان المجاورة لوطننا المفجوع بك كانت تكذب مرضك وتقول شيئاً آخر، خدعتنا الابتسامة الواثقة بالحياة.

آخر ما كنتَ مؤمناً به وتعمل لأجله كان جائزة البحرين لحرية الصحافة. وكنا على وعد اللقاء في البحرين وليس بعيداً عنها. وكل الطرق بالنسبة إليك كانت تفضي إلى البحرين.

لا تغيب عني، الآن، نظرتك الحاذقة وابتسامتك الذكية، وسؤالك أول مرة التقينا فيها في الكويت بعد غياب: متى سترجعين إلى الوطن؟ كان مسكوناً بهذه الفكرة: الوطن.

لا أكتب لأرثيك، ولكنني أكتب لأكذّب بك الموت، أكتب لاستعيدك من بين أنيابه، أكتب لاستبقيك في المسافة بين الحلم والحقيقة.

لكم أنت حي، يا صديقي الجميل!

إقرأ أيضا لـ "بروين حبيب"

العدد 2805 - الثلثاء 11 مايو 2010م الموافق 26 جمادى الأولى 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 13 | 9:39 ص

      تساؤل؟

      الصبح قرأت أربعة تعليقات والمساء أربعة تعليقات مختلفة تماماً. أين التوازن والحياد؟

    • زائر 12 | 7:46 ص

      شكراً بروين

      أوجزتِ ,وفأبدعتٍ في كلماتك الرقيقة الصادقة,, دمتِ بود,,

    • زائر 11 | 7:44 ص

      فقده خسارة كبيرة

      رحم الله الفقيد بواسع رحمته , فقد كان مثالاً للخلق على المستوى الإنساني و الفكر الأكاديمي,,عرفته عن قرب,, فقد الدكتور محمد خسارة كبيرة,, ولكن كل نفس ذائقة الموت ونسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ,,ولا حول ولا قوة إلا بالله,, وشكراً للشاعرة الإعلامية المتألقة الدكتورة بروين على نبلها ووفاءها لأصدقاءها في هذه المقالة الوفاء المُعبّرة....

    • زائر 10 | 5:34 ص

      فـــــي قلوبنا

      في قلوبنا ستبقى يا أستاذنا العظيم رحمك الله

    • زائر 8 | 4:33 ص

      في وداع المسكون بحب الوطن

      للوطن تكتب..للوطن تنشد..للوطن تحلم..زادك هو,, أينما رحلت,,قصتك وقصيدة عشقك التي لم تكتمل,,رحلت باكراً ,, وتركت لنا عبق حضورك وضوع أبيات القصيد نتقاسمها في غيابك المهيب..

اقرأ ايضاً