العدد 815 - الأحد 28 نوفمبر 2004م الموافق 15 شوال 1425هـ

فلينقذ الله العراقيين ممن يرغبون في تحريرهم!

أكدت كبريات الصحف الأميركية أن الوضع المتدهور في العراق بعد مرور 20 شهراً على قرار واشنطن رسم مستقبل العراق بشكل أحادي عبر اجتياحه من دون دعم مجلس الأمن، هو وضع غير صحي للعراق وأميركا والشرق الأوسط وحتى للمجتمع الدولي بأسره. وأقر الجميع بمسألتين: الفشل في بناء قوات أمنية عراقية قادرة على ضبط الوضع. والثاني هو ان الوضع في العراق بعد الهجوم الدموي على الفلوجة لا يختلف اثنان على انه مازال في غاية الصعوبة. لكن اللافت هو الحض الأميركي على القتال الأهلي في هذا البلد، فقد استغرب أحدهم - بعد أن لاحظ ان الجيش الأميركي يحارب السنة بالنيابة عن الشيعة والأكراد فيما هؤلاء يقفون مكتوفي الأيدي - تحذير البعض من نشوب حرب أهلية عراقية، وأكد ان هذه الحرب قائمة فعلا. مشدداً على ضرورة إشراك «البشمركة» الكردية في محاربة السنة.

لكن الوضع الإنساني في العراق شغل أيضا بعض المعلقين فدعا أحدهم الله لإنقاذ العراقيين من الأميركيين لأن هؤلاء يدفعون غاليا ثمن النوايا الحسنة للمحافظين الأميركيين الذين يرغبون في تحريرهم! وأوردت «واشنطن بوست» في افتتاحيتها انه مع تكثيف الهجمات على عناصر قوات الأمن العراقية، خلصت السلطات الأميركية في العراق إلى ان الخطط الرامية إلى إخضاع ضباط الشرطة العراقيين الجدد لدورات تدريبية لمدة شهرين تتبعها مراقبة ميدانية لن تكون كافية للتأكد من فعاليتهم. وأضافت ان تعرض هؤلاء للقتل والتهديد دفع ببعض المسئولين الأميركيين إلى التشكيك في إمكان إنشاء نظام خاص بالشرطة المحلية في هذه الظروف.

وأجرى أدريانا لنز ومايكل أوهانلون (باحثين في معهد بروكنز في واشنطن) في«نيويورك تايمز» قراءة للوضع في العراق قبل شهرين من الانتخابات التي من المقرر إجراؤها في ديسمبر/كانون الثاني المقبل. واستهلاها بالإشارة إلى انه بعد الهجوم الدموي على الفلوجة لا يختلف اثنان على ان الوضع في العراق مازال في غاية الصعوبة. ولفتا في المقابل إلى وجود مؤشرات مشجعة أخرى. فالمساعدات الأجنبية بدأت تنفق بشكل أسرع على رغم ان جزءا كبيرا منها يذهب إلى الأمن. كما ان قوات الأمن العراقية تخضع لتدريبات مكثفة وأداء القوات العراقية في ساحات القتال تحسن. أما نوعية الخدمات العامة فقد بدأت تقترب من المستوى الذي كانت عليه قبيل الحرب. فضلاً عن ان نقل السيادة إلى الحكومة العراقية المؤقتة بدأ يخفف من الغضب الشعبي العراقي ضد الأميركيين. من جهة أخرى لاحظ الباحثان الأميركيان تراجع شعبية رئيس الوزراء إياد علاوي خلال الأشهر الماضية فقد بلغت النسبة 45 في المئة في شهر أكتوبر/تشرين الأول بعد أن كانت 65 في المئة في إبريل/نيسان 2004، بالإضافة إلى نسبة البطالة التي لاتزال مرتفعة (30 إلى 40 في المئة في أكتوبر) على رغم انخفاضها منذ ابريل 2003 حين بلغت 60 في المئة. كذلك لفتا إلى تواصل الهجمات على مضخات النفط ومواقع قوات التحالف.

وانتقدت«نيويورك تايمز» تحت عنوان«العالم منقسم بشأن العراق» المؤتمر الدولي بشأن العراق الذي عقد في شرم الشيخ في مصر. واختصرت مجريات المؤتمر بالقول: ان الوزراء جاؤوا إلى شرم الشيخ، تناولوا الغداء معا وصدقوا على لائحة الأهداف المرغوب فيها والتي لا تعد إشكالية، شجعوا الانتخابات الحرة، نددوا بالإرهاب، أجمعوا على السيادة العراقية، وكرروا أهمية الدعم الإنساني في هذا البلد. غير أنهم استمروا على خلافهم بشأن كيفية تحقيق هذه الأهداف وعادوا أدراجهم من دون أن يلتزموا بأي شيء من شأنه أن يحدث تغييرا في الوضع العراقي. وأسفت لأن هذا البلد مازال يجد نفسه وحيدا والعالم من حوله يراقبه مكتوف اليدين. وذلك بعد مرور 20 شهرا على إقدام أميركا على تبني مسئولية رسم مستقبل العراق بشكل أحادي عبر اجتياحه من دون دعم مجلس الأمن. ورأت ان هذا الوضع غير صحي للعراق وواشنطن والشرق الأوسط وحتى المجتمع الدولي بأسره. غير أنها استدركت بأنه من دون تضافر جهود الحكومات التي كانت ممثلة في شرم الشيخ وتعاونها بشكل فاعل فإن الأمور لن تسير على ما يرام في العراق. ونصحت من أجل تغيير الوضع المتدهور في العراق بأن تعمل الولايات المتحدة جدياً على بناء توافق دولي بشأن هذا البلد. لافتةً إلى ان هذا لا يعني حشد الدعم للسياسات الأميركية فحسب بل إعادة النظر في بعض سياسات واشنطن من خلال القيام باستشارات دولية، قد تؤدي إلى مؤتمرات دولية أكثر فعالية.

كتب تشارلز كروثامر في«واشنطن بوست» مقالاً تحت عنوان«إنها معركة الشيعة»، رأى خلاله ان مقاطعة السنة للانتخابات العراقية التي ستجرى في ديسمبر المقبل لن تجرد الانتخابات من الشرعية وخصوصا ان السنة يشكلون 20 في المئة فقط من الشعب العراقي. وشدد المحلل الأميركي على ضرورة إجراء الانتخابات على رغم كل العقبات مؤكدا ان نتائج العملية الانتخابية ستقضي بانتقال السلطة إلى الشيعة بشكل أساسي وللأكراد جزئيا. واستغرب تحذير البعض من نشوب حرب أهلية عراقية وأكد ان هذه الحرب قائمة فعلاً. ودعا المحلل الأميركي إلى إشراك ميليشيا «البشمركة» الكردية في محاربة السنة في الموصل إذ ان معظم سكان هذه المدينة هم من الأكراد. غير انه أوضح في ختام مقاله ان الولايات المتحدة ستظل موجودة في العراق لدعم الحكومة الجديدة وليس لخوض معركة الشيعة لأجل غير مسمى إذ انها في النهاية معركتهم.

كتب نيكولاس كريستوف في«نيويورك تايمز» تحت عنوان«أنقذوا أطفال العراق» مقالاً استهله بسخرية درامية بالقول ان العراقيين يدفعون غاليا ثمن النوايا الحسنة للمحافظين الأميركيين الذين يرغبون في تحريرهم. وأضاف ان ما سيزيد الطين بلة هو نية بعض الليبراليين الأميركيين الانسحاب من العراق. داعيا الله أن يحمي العراقيين من الأميركيين. غير ان المعلق لاحظ ان سياسة الرئيس بوش في العراق قد تحولت إلى سياسة أكثر واقعية، لكن المشكلة اليوم تكمن في مجموعة من اليساريين الأميركيين الذين يدعون إلى انسحاب القوات الأميركية من العراق. وشدد على ان الخطأ الأميركي جعل ملايين العراقيين معرضين للخطر، وسيكون من غير الإنساني أن تتركهم واشنطن الآن. مؤكداً ان ثمة أمل في أن يتمتع العراقيون بالأمن وبمستوى معيشي أفضل. وإنقاذ حياة مئات الآلاف في العراق هي قضية تستحق أن يعرض الجنود الأميركيون أنفسهم للخطر من أجلها وحتى أن يموتوا فداءً لها

العدد 815 - الأحد 28 نوفمبر 2004م الموافق 15 شوال 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً