العدد 942 - الإثنين 04 أبريل 2005م الموافق 24 صفر 1426هـ

هل يعود "أمن الدولة" من النافذة؟

قاسم حسين Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

لم يصدق البحرينيون انه سيأتي يوم يخرجون فيه من عنق الزجاجة الأمنية الخانقة، بعد أن عاشوا تحت وطأة هذا القانون الجائر مدة 25 عاما عجافا. لو تكلمنا اليوم عما كان يحدث في بلادنا في تلك الفترة السوداء، لاتهمنا بالمبالغة والإكثار من نكء الجراح. ولكن عبث بعض الأقلام يستدعي التطرق لهذا الموضوع خصوصا بعد أن كشر دعاة "أمن الدولة" عن أنيابهم وسقطت براقعهم غير الديمقراطية! هل يصدق أحد القراء انه اعتقل مواطنون بحرينيون في يوم من أيام العام ،1979 فقط لأنهم يطيلون ذقنهم؟ وهل يصدق القارئ ان آخرين دخلوا المعتقلات بسبب مشاركتهم في موكب عزاء ديني؟ وهل يتصور العقل ان محاكمنا كانت تعتمد أدلة لم تكن تتعدى بعض الكتب التي تتوافر اليوم في مكتباتنا العامة أو تباع في سوق المقاصيص؟ وهل يتصور أحدكم أن أمين صندوق مأتم بإحدى القرى اعتقل في مارس/ آذار 1981 وعذب ونتفت لحيته حتى لم يبق منها شعرة واحدة ليعترف بأنه كان يجمع تمويلا لعوائل أشخاص معتقلين؟ وهل تتصورون أن الصور التي تباع هنا وهناك بمئتي فلس، وأحيانا توزع مجانا، كانت كفيلة بإلباسك تهمة من العيار الثقيل؟ طبعا هذه هي النتيجة الحتمية للتعاطي الأمني مع الناس، وتغليب الشك على اليقين، والظن على الثقة، بحيث يصبح المواطن متهما حتى يثبت العكس. وإذا كانت البلد قد تجاوزت تلك المرحلة بآلامها ومخازيها، فإن هناك من يحاول الارتداد إليها، والدعوة إليها وكأنها جنة الفردوس، وبعد أن طرد قانون "أمن الدولة" من الباب كأننا على أبواب عودته من النافذة. بالأمس كل القوانين التي فرضت على البلد، تمت في غياب شامل للإرادة الشعبية، أما خطورة الوضع الآن، فان الحملة المضادة للحرية تتم تحت قبة البرلمان، ليتم إلباسها ثوبا قانونيا باسم "نواب الشعب". إن المواطن البحريني يمتلك من الوعي ما يمكنه من كشف محاولات "التسلل" لتسجيل الأهداف غير المشروعة، وهو لن يقبل مثل هذه المحاولات، وكما وقف واعترض على القوانين السابقة ودفع ثمن معارضتها، ودفع ضريبة تطبيقها أيضا طوال ثلاثين عاما، فإنه لن يقبل بتمرير هذه القوانين الجديدة التي تنتهك حريته وتمس كرامته وتستخف بعقله، حتى ولو تمت تحت قبة البرلمان بصفة مستعجلة باسم قانون "مكافحة الإرهاب". بل ان البرلمان يغامر بما تبقى له من أوراق قليلة إذا وافق على تمريرها. فليس من المعقول التصديق على قوانين تمنح الأجهزة الأمنية سلطات واسعة بعد أن ذاق وبال امرها ثلاثين عاما، وتعود لتطلق يدها للتجسس على المواطنين في أماكنهم العامة والخاصة، بما يشرع الباب لحدوث التجاوزات والانتهاكات لحقوق الإنسان. إن محاولات إرجاع هذه القوانين باسم تنظيم المسيرات والمظاهرات، أو باسم مكافحة الارهاب، لن يكفي لستر العورة القانونية المكشوفة. فهناك شعب خرج توا من طاحونة "أمن الدولة"، ليتنفس الهواء مثل بقية بني البشر في الأمم المتحضرة، وهناك بالمقابل من يريد إعادة القيود والأغلال والسجون وسياسة الإدانة بالظنون، وهناك جماعة "الحكومة عاوزه كده"، الذين لم يسمعوا في حياتهم قط أنين المظلومين وضحايا "أمن الدولة"، نراهم اليوم يقدمون الحجج الواهية تحت غطاء كثيف من الدخان ومقالات الفتنة والشقاق، يلعبون أقذر لعبة عرفتها السياسة العربية على الإطلاق. إن من المفهوم ان تسعى كل حكومة على وجه الأرض لفرض رأيها وإسكات معارضيها وتنفيذ سياساتها، ولكن ما لا نفهمه ان يتطوع مجموعة من "مقاولي المقالات" الأشداء للدفاع عن قوانين نعرف مسبقا ما ستلحقه بمستقبل البلد من أضرار سياسية واقتصادية واجتماعية، في الوقت الذي لم تكد تندمل جراحات الماضي القريب. هذه الجوقة تتكلم وكأن الحرية النسبية التي يتمتع بها شعب البحرين اليوم فضل ومنة، وليس نتاج عقود من التدافع الاجتماعي لتحقيق مستوى مقبول من الحرية والكرامة وعزة هذا الوطن. لن يقف أي مواطن مع أية أعمال إرهابية تمس الوطن والمواطن، ولكن لن يقبل تنفيذ عقوبة الإعدام بعبارات عائمة مثل "الاضرار بالوحدة الوطنية"، خصوصا بعد أن دخلت الصور والشعارات الدينية في هذا التنور اللاهب! بالأمس كان ضبط الصور والكتب في منزلك، أو إطالة ذقنك أو مساعدة أسرة سجين كفيلة بإدخالك المعتقل، واليوم "يفكر" البرلمان في مناقشة قوانين تحكم بالإعدام، بسبب الصور والشعارات الدينية، أو لأنك حضرت مسيرة لم تعجب الحكومة... فتحسس رأسك

إقرأ أيضا لـ "قاسم حسين"

العدد 942 - الإثنين 04 أبريل 2005م الموافق 24 صفر 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً