العدد 2926 - الخميس 09 سبتمبر 2010م الموافق 30 رمضان 1431هـ

مدخل إلى حياة الفيلسوف وسيرته

لماذا كتب ابن خلدون المقدمة؟ (2)

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

نشر في القرن السادس عشر الميلادي أحمد بابا التنبكتي (963 – 1036 هجرية) ترجمة عبدالرحمن بن خلدون في كتابه المعروف بـ «نيل الابتهاج بتطريز الديباج» جاء فيها: عبدالرحمن بن محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن جابر بن خلدون الحضرمي الاشبيلي الأصل التونسي المولد ولي الدين أبو زيد قاضي القضاة العلامة الحافظ المؤرخ.

وينقل عن المؤرخ (صديق وخصم ابن خلدون) ابن الخطيب صاحب تاريخ غرناطة «كان فاضلاً حسن الخلق جم الفضل باهر الخصال رفيع القدر ظاهر الحياء وقور المجلس عالي الهمة قوي الجأش. طامحاً لقنن الرئاسة متقدماً في فنون عقلية ونقلية متعدد المزايا سديد البحث كثير الحفظ صحيح التصور بليغ الخط مغري بالتجلة جواد الكف حسن العشرة بذول المشاركة، مفخراً من مفاخر التخوم المغربية، من ذرية وائل بن حجر، أخذ القرآن عن بدال والعربية عن الزواوي وابن العربي وتأدب بأبيه وأخذ عن المحدث ابن جابر الوادي آشي وحضر مجلس ابن عبدالسلام وروى عن الحافظ السطي والرئيس أبي محمد الحضرمي، ولازم العلم الشهر الابلي وانتفع به. وورد على الأندلس في ربيع الأول عام أربعة وستين (يقصد 764 هجرية) وأكرمه سلطانها وأركب لتلقيه خاصته وخلع عليه وأبره، شرح البردة شرحاً بديعاً دل على تفننه وإدراكه وغزارة حفظه، ولخص كثيراً من كتب ابن رشد وعلق تقييداً مفيداً في المنطق للسلطان، ولخص محصول الفخر وألف في الحساب وفي أصول الفقه. مولده بتونس في رمضان عام اثنين وثلاثين وسبعمائة».

يبين كلام ابن الخطيب إضافة إلى الوصف والديباجة ثقافة ابن خلدون العلمية وأهميته في مختلف المعارف المتداولة (شرح البردة، تلخيص كتب ابن رشد، تعليقات على المنطق، ومؤلفات في الحساب وأصول الفقه)، إلى شهرته الواسعة وهو مازال في 32 من عمره. فترجمة ابن الخطيب كتبت قبل أن يؤلف ابن خلدون مقدمته وتاريخه الذي باشره في سن 45 وأنهاه وهو مازال في 50 من عمره.

نتابع ترجمة ابن خلدون كما وردت في كتاب «نيل الابتهاج» لأحمد التنبكتي فينقل ما قاله أبو جعفر البقني في «مختصر الإحاطة» و»ألف تاريخه المشهور الذي سحر به الخاص والجمهور سماه بكتاب «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر» اخترع فيه مذهباً عجيباً وطريقاً مبتدعاً من الحديث على العلوم وتنقيح الفهوم وما يعرض في الإنسان منذ الأعراض الذاتية والخيالات والحلوم».

وينقل التنبكتي عن بعض الأعلام من دون تسميتهم فيقول «حفظ القرآن والشاطبي ومختصر ابن الحاجب الفرعي وتفقه بأبي عبدالله محمد بن عبدالله الجياني وأبي القاسم بن العصير، قرأ عليه التهذيب وعليه تفقه وحفظ المعلقات والحماسة وشعر حبيب وقطعة من شعر المتنبي وسقط الزند، وأخذ العربية عن والده وغيره وعبدالمهيمن الحضرمي، وتولى كتابة العلامة عن صاحب تونس ثم توجه لفاس واعتقل عند سلطانها ثم قدم غرناطة وعظمه سلطانها (كما ذكر ابن الخطيب). ثم توجه لبجاية ثم لتونس (ألف المقدمة وتاريخه) ثم رحل لمصر فولاه سلطانها الظاهر برقوق قضاء المالكية وتصدر للإقراء بالجامع الأزهر وصنف تاريخه الكبير في سبعة مجلدات سماه العبر في تاريخ الملوك والأمم والبربر، وكان يسلك في إقرائه مسلك الأقدمين كالغزالي والفخر (الرازي) مع إنكار طريقه طلبة العجم ويقول: إن اختصار الكتب في كل فن والتعبد بالألفاظ على طريقة العضد وغيرها من محدثات المتأخرين والعلم وراء ذلك كله. وكان يقدم بديع ابن الساعاتي على مختصر ابن الحاجب ويقول: إنه أقعد بالفن زاعماً أن أباه الحاجب لم يأخذه عن شيخ، وفيه نظر، وتكرر عزله مراراً من القضاء وولايته. نسب في تاريخه إلى عظيمة نقلها عنه أبو الحسن بن أبي بكر. وينقل عن ابن حجر العسقلاني الآتي: «ولم يوجد في تاريخه. مات قاضياً فجأة يوم الأربعاء لأربع بقين من رمضان سنة ثمان وثمانمائة عن ست وسبعين دون أشهر، ودفن في مقابر الصوفية خارج باب النصر».

ويذكر التنبكتي كتاب «التعريف» لابن خلدون الذي أورد فيه ترجمته ومذكراته الشخصية وخلافه مع «ابن عرفة وغيره في تونس. وينتهي إلى القول إن ممن أخذ عن ابن خلدون هم الإمام ابن مرزوق الحفيد والشيخ البسيلي والبدر الدماميني والعلامة البساطي وغيرهم» (ص 250 – 252).

تكشف ترجمة التنبكتي لحياة ابن خلدون كم كانت شهرة صاحب المقدمة تثير المخاوف والضجيج على المستويات السياسية والثقافية والفقهية نظراً لضلوعه في مختلف الفنون والمعارف فهو كان «شاغل الناس» على المستوى الفكري كما شغلهم الشاعر الطموح سياسياً أبو الطيب المتنبي. فشخصية ابن خلدون مثيرة كذلك قدراته وإمكاناته التي اعترف بها الصديق والخصم. وربما شكلت مزاياه المتعددة نقطة توتر في حياته وسببت له الكثير من الحسد والاضطرابات.

احتل ابن خلدون الكثير من المناصب وشغل العديد من المواقع وطارت شهرته وهو في الثلاثينات من عمره وازدادت مكانته بعد تأليف مقدمته وتاريخه وهو في نهاية الأربعينات من عمره. وكان لابد من شخصية غنية وخصبة وطموحة مثل هذه الشخصية أن تثير الحسد والقلق والشغب فاعتزل السياسة ثم قرر مغادرة وطنه إلى بلد آمن (مصر).

وإذا كان التنبكتي قد نقل ما نقله وذكر ما ذكره عن ابن خلدون في نهاية القرن العاشر ومطلع الحادي عشر للهجرة في نطاق الديار الإسلامية فإن شهرته ازدادت وطارت عالمياً في فترة أطلق عليها عصر «التنوير والنهضة» في أوروبا بسبب مساهماته الفكرية الكبيرة في إغناء الفكر الإنساني بعناصر حيوية فلسفية واجتماعية. فهو كان ولايزال شخصية تثير الجدل لدوره الخاص في تأسيس أنماط جديدة من التفكير تركزت على تبيان العناصر المكونة لعلمه الذي اكتشفه وأطلق عليه «علم العمران».

قبل البدء في سرد ظروف كتابة المقدمة والخلاف على توقيت تدوينها وافتراق مستويات أبوابها وفصولها لابد من إيراد ملاحظة ربما تفيد في معرفة أحوال ابن خلدون والأجواء العاصفة التي مر بها. فصاحب المقدمة على رغم اعتزاله السياسة لم يبتعد عنها بل واصل اتصالاته ومتابعته للحوادث. فهو غادر قلعة ابن سلامة في العام 780 هجرية إلا أن تاريخه ينتهي في الخبر «عن إمارة عبدالرحمن بن علي أبي يفلوس بن السلطان أبي علي، على الغزاة بالأندلس ومصير أمره» وذلك «سنة ثلاث وثمانين وسبعماية» (تاريخ العبر، المجلد السابع، صفحة 450). وقبلها يأتي على ذكر حج يوسف بن علي بن غانم أمير أولاد حسين سنة ثلاث وتسعين (793 هجرية) واتصاله بملك مصر من الترك الظاهر برقوق. ويذكر ابن خلدون أنه قام شخصياً بترتيب الاتصال واللقاء إذ يقول «وتقدمت إلى السلطان فيه وأخبرته بمحله من قومه، فأكرم تلقيه وحمله بعد قضاء حجه هدية إلى صاحب المغرب، يطرفه فيها بتحف من بضائع بلده على عادة الملوك. فلما قدم بها على السلطان أبي العباس (صاحب المغرب) أعظم موقعه، وجلس في مجلس حفل لعرضها والمباهاة بها». (تاريخ العبر، المجلد السابع، ص 432).

تكشف الأخبار الأخيرة من تاريخ ابن خلدون أن صاحب المقدمة واصل إضافة الأخبار الجديدة ومتابعة الحوادث وإدخالها على الجزء الأخير من كتاب العبر. كذلك تكشف عن مواصلته نشاطات مختلفة من العمل السياسي كالاتصالات واللقاءات والترتيبات إلى دوره كمفاوض ديبلوماسي عندما شارك في البعثة التي ذهبت إلى دمشق لإقناع تيمورلنك بوقف تهديده باجتياح المدينة.

إلا أن السياسي والمفكر ابن خلدون قبل تأليف المقدمة وتاريخه هو غير السياسي والمفكر بعد إنجاز مهمته وانتهاء مشروعه. فطموحاته تقلصت وحماسه خف إذ لم يكتب أي شيء مهم طوال الفترة الفاصلة بين المرحلتين وتبلغ 24 سنة من حياته.

السؤال: لماذا لم يكتب أي شيء مهم منذ خروجه من قلعة ابن سلامة (780 هجرية) وانتقاله إلى تونس (4 سنوات) ووفاته في مصر ودفنه في مقابر الصوفية كما يقول ابن حجر؟

أهم ما كتبه ابن خلدون في تلك الفترة الطويلة (24 سنة) تلك الإضافات من فقرات وفصول لتوضيح بعض أفكار المقدمة إلى تلك الأخبار التي ألحقها بتاريخه ليبقى حاضراً مع حوادث عصره. إلى ذلك يمكن إضافة بعض الأعمال مثل مذكراته (كتاب التعريف) وتلك الشروح الجغرافية والعمرانية لبلاد المغرب التي يقول إنه كتبها بناء على طلب من تيمورلنك عندما التقاه في الشام في وقت كان سلطان المغول يحاصر دمشق ويهدد باقتحامها. ويبدو أن تلك «الدفاتر» فقدت ولم يعثر عليها إلى الآن.

السؤال الآخر: لماذا لم ينتج ابن خلدون شيئاً جديداً في تلك الفترة الطويلة نسبياً باستثناء الإضافات والمذكرات في وقت أنهى تاريخه الكبير وهو في نهاية الأربعينات من عمره وغادر وطنه إلى مصر وهو في مطلع الخمسينات، أي أنه كان في عز سن النضج وكان يتمتع بصحة جيدة على رغم مرضه الشديد في السنة الأخيرة من عزلته في القلعة؟

هناك أسئلة محيرة: هل أصيب ابن خلدون بعارض صحي أتعبه ولم يعد عنده قدرة الاحتمال على المواظبة في القراءة والتأليف؟ هل أصابته صدمة نفسية كبيرة دفعته إلى حال من اليأس والقنوط والاستنكاف عن متابعة دؤوبة للمعرفة والاستطلاع؟ هل وجد نفسه في حال حصار من الحساد والمشككين به وبإخلاصه؟ هل اعتبر أنه أعطى كل ما لديه وقال كل ما يريد ولم يعد عنده الجديد لتقديمه سوى إضافات على مقدمته وتاريخه؟ هل أصيب بإحباط شامل ووجد أن كل اجتهاده لم يحصل منه سوى ما يسد رمق العيش فقرر التوقف عن الكتابة والاستمتاع بما تبقى له من عمر بانتظار الفرج؟

كلها أسئلة محيرة يصعب الإجابة عنها. إلا أنه يمكن مقاربة الصورة بإعادة قراءة حياة ابن خلدون وملاحقة تركيبته الشخصية المعقدة من خلال المحطات الكبرى التي وصفها وذكرها في تاريخه ومذكراته.

ربما تساعد إعادة قراءة كتابه «التعريف» بتركيز على المحاور الرئيسية التي تشكل مفاصل كبرى في حياته في إعطاء فكرة عامة عن تلك الأيام وتفسر إلى حد ما أسباب توقفه عن الكتابة بعد إنجاز مقدمته وتاريخه.

لاحظنا من الترجمات التي عاصرت ابن خلدون أو التي كتبت بعد وفاته أنها اختلفت في تحديد مساره الفكري. فصديق ابن خلدون وخصمه مؤرخ غرناطة لسان الدين بن الخطيب (713 – 778 هجرية) ذكر في ترجمته التي اطلع عليها ابن خلدون قبل نشرها أنه لخص وكتب عن ابن رشد والفلسفة وعلق على المنطق وله مؤلفات في الحساب وأصول الفقه، بينما يذكر ابن حجر العسقلاني الذي عاصره في مصر (773 – 853 هجرية) أن صاحب المقدمة دفن في مقابر الصوفية.

وتكشف القراءات التي عاصرت ابن خلدون خلال محطات وجوده في المغرب وصولاً إلى وفاته في مصر أن هناك تحولات فكرية طرأت عليه إذ تطور أو انتقل من دراسة المنطق وابن رشد والحساب وأصول الفقه ثم رواية التاريخ وتفسيره إلى أن انتهى في مقابر الصوفية.

إذاً يمكن القول إن هناك ثلاث محطات كبرى في حياة ابن خلدون وأعماله: الأولى بدأت في الفلسفة والمنطق والحساب ودراسة علم الأصول، الثانية في التاريخ وفلسفته (علم العمران)، والثالثة الصوفية ومدارسها. هذه التحولات الفكرية يمكن استخلاص أدلتها واستنتاجها من إعادة قراءة مقدمته وتعريفه بنفسه

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2926 - الخميس 09 سبتمبر 2010م الموافق 30 رمضان 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً