المكتبة المتنقلة أو المتجوّلة

سليم مصطفى بودبوس

-

لا حديث اليوم بين الأهالي والمدرسين والمسئولين من ذوي القرار سوى عن عزوف الناشئة عن القراءة أو ما يصطلح عليها عند البعض «المطالعة»، وحيث إنه لابد من القراءة لتكوين جيل مثقف آخذ بأسباب العلم والتكوين الثقافي المتكامل فإن التجربة ضرورية بكل السبل للخروج من شبح هذه الأزمة الكارثية فهل يعقل أن «أمّة اقرأ» تتراجع فيها نسبة الإقبال على المقروء بهذا الحدّ؟
لذا فإن البحث الجاد عن الحلول وتجريبها بات من أوكد الحاجات والضرورات، ولعلّ تجربة المكتبة المتجولة أو مكتبة الحمار أو مكتبة الحافلة إحدى الحلول لتقليص الجفوة بين المواطن والكتاب. فما قصة المكتبة المتجولة في العالم؟ وهل من سبيل إلى تطبيقها في البحرين؟
المكتبة المتنقلة هي أحد أصناف المكتبات يكون رصيدها من الكتب على متن سيارة أعدت للغرض. وتقوم بجولات في المناطق النائية في أوقات منتظمة لتتواصل مع المستفيدين حيثما نأت بهم الديار وأبعدتهم المسافات.
وقد بدأت المكتبات المتنقلة على شكل وسائل بسيطة لحمل الكتب إلى المناطق النائية في بريطانيا وأميركا، وكانت بدايتها على هيئة عربات تجرها الخيول وقوارب صغيرة، ومع مطلع العام 1912 ظهرت أول مكتبة متنقلة تسير بقوة محرك، ولقد بدأت فرنسا تجربة المكتبة المتنقلة العام 1919 ثم طورتها، حيث تعتبر من الدول التي تمتلك مئات الناقلات التي تحمل آلاف الكتب إلى المناطق المحرومة من النشاط الثقافي. وقد عرفت الهند المكتبات المتنقلة بفضل منظمة اليونسكو في العام 1953، حتى قبل أن تعرفها بعض الدول الأوروبية.
وقد عُرفت هذه الخدمة الثقافية العظيمة في الضفة الغربية في مدينة الخليل بفلسطين في العام 1956 قبل أن تنطلق إلى مدن أخرى هناك. وتعتبر تونس ومصر والجزائر من الدول العربية الرائدة في هذه التجربة بعد الاستقلال.
ونظراً لخصوصيات هذه المكتبة فإنّه يجب أن تتوافر في أمين المكتبة المتنقلة المؤهلات الضرورية في علم المكتبات، فضلاً عن التدرب في مجال المهنة المكتبية، إضافة إلى اتساع الثقافة دون أن ننسى الرغبة الصادقة في عمله، وذلك بالإشراف على وضع مقتنيات المكتبة في السيارة والمحافظة عليها وترتيبها في رفوف السيارة، واختيار مقتنيات المكتبة حسب ميول القراء، وإرشادهم إلى المصادر التي تناسب مستواهم.
ويقوم أمين المكتبة المتنقلة أيضاً بإعداد جدول لخط سير المكتبة وإعداد تقارير يومية وشهرية عن نشاط المكتبة، ومقترحات المستفيدين لتطوير الخدمة المكتبية، والقيام بإعداد قوائم بمقتنيات المكتبة، وتنشيط القراءة إلى جانب إعارة الكتب ومتابعة المتأخرين في إرجاعها.
وأفضل نموذج لأمين مكتبة متنقلة عبر التاريخ هو المدرس لويس سوريانو من كولومبيا الذي يُحمِّل حماره كتباً، ويركبه لساعات طويلة يوميا في كل اتجاه لتوصيل الكتب للأطفال الذين لا يستطيعون الوصول إليها. كما يقرأ لهم القصص، ويساعدهم في أداء الواجبات المدرسية، ويمنحهم فرصة الاستمتاع بالكتب التي لا يملكونها بالمنزل.
وقد يعترض البعض على هذا البديل الذي تقدمه خدمة المكتبة المتنقلة بالقول إنها متوافرة وبشكل أيسر من خلال المنتديات والمواقع الالكترونية في بيوتنا دون الحاجة إلى حافلات وموظفين و...
إلا أن الفجوة بين الكتاب والقارئ الصغير خاصة والكبير عامة يجب أن نردمها بالتحرك الإيجابي والميداني والوصول إلى عين المكان حيث الطفل. صحيح أنّ المكتبات منتشرة في المدن بل وفي بعض القرى إلاّ أنه من شرف الكتاب أن يترجل ويطرق البيوت حتى يدخلها كما تطرق عربات الآيس كريم والماء وغيرها من خدمات الأكل والشرب بيوتنا باستئذان ودون استئذان أحيانا.
ولعل التجربة المطبقة أخيرا في إمارة أبوظبي خير دليل على كلامنا، حيث استرعى مفهوم المكتبة المتنقلة التي سميت «حافلة كتاب»، والتي قامت حديثا بجولة واسعة في أبوظبي والمنطقة الغربية بالإمارات العربية المتحدة، اهتماماً غير مسبوق من المعلمين وأمناء المكتبات، الأمر الذي أكد أهمية قرار هيئة أبوظبي للثقافة والتراث بشراء وتجهيز خمس مركبات جديدة لتلبية الطلبات من المؤسسات التعليمية. فهل يمكن تجريب هذه الفكرة في البحرين؟ وهل يمكن تجهيز بعض أركان الحدائق والمنتزهات العمومية بحافلة للكتب يقع ترغيب الطفل من خلالها على القراءة؟ إقرأ أيضا لـ "سليم مصطفى بودبوس"

العدد 2810 - الإثنين 17 مايو 2010م الموافق 03 جمادى الآخرة 1431هـ




التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 2014-12-13 | 11:07 مساءً

      مشكورين على المقال

      بارك الله فيكم على المقال . ودمتم في خدمة العلم

اقرأ ايضاً