القانون الجديد خطة لتفعيل دور الأحزاب وتعزيز الديمقراطية

العاهل المغربي يدعو إلى إصلاح الحياة الحزبية

المصطفى العسري

إذا كانت الفترة الماضية في المغرب سنة إصلاح مدونة الأسرة "قانون الأسرة" فإن السنة الحالية ستكون سنة إصلاح المنظومة الحزبية المغربية، عبر قانون الأحزاب الذي كان محل تداول العام الماضي، وهو ما أكده العاهل المغربي في خطاب افتتاح البرلمان المغربي بغرفتيه "مجلس النواب" و"مجلس المستشارين" يوم الجمعة الثاني من شهر أكتوبر/ تشرين الأول وفق ما ينص عليه الدستور المغربي. دعوة العاهل المغربي لقيت تجاوبا من قبل قادة الأحزاب السياسية المغربية، من خلال التصريحات التي استقتها "الوسط" مباشرة بعد خطاب الافتتاح.

الأحزاب أداة مثلى للعمل النبيل

في افتتاح السنة التشريعية الحالية 2005/،2006 أكد العاهل المغربي الملك محمد السادس أن الأحزاب السياسية مدارس للوطنية والمواطنة الحقة وأنها الأداة المثلى لتربية كل المغاربة على حسن المشاركة في تدبير الشأن العام وممارسة العمل السياسي بمعناه النبيل. وأضاف العاهل المغربي في خطابه أمام نواب البرلمان المغربي أن ذلك "هو النهج القويم، الذي أعمل جاهدا على توطيد أركانه، مؤكدا غير ما مرة، ومن أعلى هذا المنبر، على إعادة الاعتبار للهيئات السياسية. اقتناعا منا بأنه لا ديمقراطية فعلية وملموسة، إلا بأحزاب قوية ومسئولة". ومن هذا المنطلق، ذكر العاهل المغربي أنه كان "حرصنا على تقويتها من خلال توفير إطار قانوني متقدم، يكفل لها الديمقراطية في التأسيس والتنظيم، والتسيير. فضلا عن توفير الدعم المادي القار والشفاف، الذي يأخذ في الاعتبار قدرتها على التأطير والتمثيل"، مؤكدا أن هدفه الأسمى سيظل هو "تمكين الأحزاب الوطنية من المناعة اللازمة، وتحصين مشهدنا الحزبي من البلقنة المعوقة للنهوض بدورها الدستوري، على الوجه المطلوب "ملاحظا أن قانون الأحزاب، الذي سيصدق عليه البرلمان في مستهل هذه الدورة، يبقى مجرد إطار تشريعي"، ما لم يبادر الفاعلون السياسيون إلى إضفاء الديناميكية الضرورية عليه. وذلك بحسن تفعيل مقتضياته، واستلهام روحه، بما يجعله انبثاقا لثقافة سياسية جديدة، ترسخ الثقة في المنظمات الحزبية والمجالس المنتخبة، وقال: "لنا اليقين في أن أحزابنا السياسية، بغيرتها الوطنية، ستسارع إلى تجسيد تجاوبها مع التشريع الجديد، ليس فقط بتقليص مدة الملاءمة الشكلية، بتعديل أنظمتها الأساسية وفقه. وإنما أيضا بجعل هذه الملاءمة أكثر عمقا؛ بحيث تجسد روحه، سواء فيما يخص الانتقال بالعمل الحزبي من الموسمية الانتخابية، إلى الاستمرارية التأطيرية، أو في استيعاب النخب الجديدة، ولاسيما منها الشباب والنساء". العاهل المغربي دعا الأحزاب إلى تكريس قصارى نشاطها الميداني، لترسيخ روح المواطنة الفاعلة، وتربية الأجيال الصاعدة على المشاركة الديمقراطية، وتحصينها من مساوئ الفراغ السياسي، وعواقبه الوخيمة، مؤكدا جلالته أن قانون الأحزاب، على رغم أهميته، فهو ليس نهاية المطاف بل "خطوة أولى أساسية، في المسار الحيوي البناء، ليس فقط لإعادة ترتيب بيتها، لكسب استحقاقاتها الانتخابية المشروعة. ولكن أيضا لتحقيق ما نتوخاه جميعا، من انبثاق مشهد سياسي معقلن، قائم على تحالفات قوية، وأقطاب متمايزة، لا بكثرة ألوانها، ولكن بتنافسيتها على مشروعات تنموية مضبوطة"، مؤكدا أن استكمال وتعزيز هذا التأهيل الحزبي، في بعده التشريعي، سيظل رهينا بنظام انتخابي ناجع وملائم. "لذلك أصدرنا تعليماتنا للحكومة، قصد العمل، في إطار من التشاور الواسع، والتوافق البناء، على أن تكون مدونة الانتخابات، معتمدة ومعروفة، قبل سنة من موعد الاقتراع. بما يتيح وضوح الرؤية، وتخليق المنافسة المتكافئة، الكفيلة بخوض انتخابات حرة وتعددية. وذلكم هو السبيل القويم، لبلوغ ما نتطلع إليه من افراز غالبية حكومية منسجمة، ومعارضة نيابية بناءة".

القانون يندرج في إطار الإصلاح السياسي

في أبرز ردود الفعل على دعوة العاهل المغربي لإصلاح المنظومة الحزبية، ذكر رئيس مجلس المستشارين، الغرفة الثانية بالبرلمان المغربي مصطفى عكاشة أن قانون الأحزاب الذي يتميز بصبغة خاصة لعلاقته المباشرة بالحياة السياسية في المغرب، يندرج في إطار الإصلاح السياسي الذي يعرفه المغرب منذ سنوات. وأوضح عكاشة "أنه على رغم التعديل الذي طرأ على ظهير 1958 الذي ينظم الجمعيات ومن ثم الأحزاب السياسية، فقد تمت الدعوة على أعلى المستويات إلى أن يكون هناك إصلاحا للأحزاب السياسية عبر قانون ينظمها، وينظم عملية إنشاء الأحزاب الجديدة ويلزم هذه الأخيرة بتسيير مالي وإداري سليم وشفاف". كما يلزم هذا القانون بحسب رئيس الغرفة الثانية بالبرلمان المغربي "الأحزاب باحترام القانون المتعلق بالاجتماعات وبانتخاب الهياكل بصفة قانونية وشفافة، ويفرض عليها أن تكون مؤهلة لتنخرط بشكل إيجابي وفي وقت وجيز في الحياة العامة"، مبرزا أن هذا القانون جاء للحد من الثغرات الموجودة على مستوى التسيير الإداري والسياسي والمالي للأحزاب. وقال إن قانون الأحزاب سيحال إلى مجلس النواب في آخر شهر أكتوبر / تشرين الأول الجاري وسيحليه بعد التصديق عليه على مجلس المستشارين، مؤكدا أن هذا القانون سيكون جاهزا في ظرف شهر ومصدق عليه من قبل البرلمان بغرفتيه.

موقف الأحزاب السياسية

أجمع عدد من قادة الأحزاب السياسية على أن خطاب افتتاح الدورة التشريعية الذي ألقاه العاهل المغربي شكل خطة عمل حقيقية لتفعيل دور الأحزاب السياسية وتعزيز المؤسسات الديمقراطية وتهيئ أرضية صلبة للنهوض بالحياة السياسية التي تعد إحدى اللبنات الأساسية لتحقيق التنمية الشاملة. كما اعتبروا في تصريحات خصوا بها "الوسط" في أعقاب دعوة العاهل المغربي إلى إقرار قانون الأحزاب خطوة أخرى للإصلاح في المغرب، مؤكدين أن من شأن القانون الجديد أن يعطي للأحزاب المكانة اللائقة بها في المشهد السياسي المغربي والدور الذي ينبغي أن تتطلع به من أجل توجيه الممارسة السياسية والرقي بأداء المؤسسات الديمقراطية وتهيئ النخب السياسية لمواجهة كل التحديات الآنية والمستقبلية في كل الميادين. وفي هذا السياق، قال الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية محمد اليازغي: "إن الخطاب الملكي هو خطاب مؤسسي لأنه تطرق لكيفية لبناء صرح متين للديمقراطية أساسه الفعل والعمل اليومي للنخبة السياسية وتعزيز الممارسة السياسية للأحزاب على اختلاف قناعاتها وموقعها السياسي"، مؤكدا أن الأداء السياسي للأحزاب المتماشي مع تطلعات المغرب المستقبلية رهين بتعزيز دور الاحزاب قانونيا وتوفير كل الوسائل لها للقيام بدورها الدستوري في تأطير المواطنين وجعلهم في صلب اهتمامات العمل السياسي. من جهته، اعتبر الأمين العام لحزب الحركة الشعبية "الأمازيغي" امحند العنصر أن خطاب محمد السادس "تطرق بالملموس للقضايا التي تشغل بال الرأي العام حاليا والتي لها انعكاس مباشر على المسار السياسي لبلادنا وفي مقدمتها التنظيم الحزبي"، معتبرا أن الخطاب "تضمن توجيهات واضحة بالنسبة إلى الأحزاب وجميع الأطراف الفاعلة في الحياة العامة وسيبقى درسا ونبراسا لجميع الفاعلين السياسيين". أما الأمين العام لحزب الاستقلال "المحافظ" عباس الفاسي فقد اعتبر الخطاب "تاريخيا"، موضحا أنه أكد "بصفة رسمية على دور الأحزاب وضرورة تجميعها ومحاربة بلقنتها، مشددا الإيجابيات التي يتضمنها قانون الأحزاب الجديد". من جانبه، اعتبر الأمين العام لحزب العدالة والتنمية "الإسلامي" المعارض سعدالدين العثماني أن الملك ركز على تطوير وتحديث وعقلنة المشهد السياسي المغربي من أجل بناء مشهد أكثر انسجاما، قادر على الاضطلاع بالتحديات التي يواجهها المغرب، وأضاف أن حزب العدالة والتنمية يثمن عاليا التأكيد على ضرورة إخراج القانون المنظم للانتخابات سنة قبل إجراء الاستحقاقات الانتخابية العام ،2007 معتبرا "أن إخراج قانون الانتخابات في آخر لحظة، من دون أن يكون موضوعا لنقاش وطني حقيقي، لا يترك للفاعل السياسي الوقت الكافي للإعداد للانتخابات واستيعاب مضامين القانون الجديد". من جهته، أشار الأمين العام للحزب الوطني الديمقراطي عبدالله القادري إلى أن خطاب افتتاح البرلمان "أجاب عن جميع النقاط التي كانت مطروحة والتي كان ينتظرها الجميع، كقانون الأحزاب وقانون الانتخابات"، مشيرا أن ذلك سيمكن من الدخول في الاستحقاقات المقبلة لسنة 2007 على أرضية صلبة وضمان انتخابات نزيهة. ودعا الأحزاب السياسية إلى تنظيم نفسها وإعادة هيكلة بنياتها وفتح المجال للطاقات والكفاءات الشابة من أجل تعزيز الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية

العدد 1144 - الإثنين 24 أكتوبر 2005م الموافق 21 رمضان 1426هـ

التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً