العدد 1170 - الجمعة 18 نوفمبر 2005م الموافق 16 شوال 1426هـ

لكي نتحرك

محمد فاضل العبيدلي

مستشار في مركز دبي لبحوث السياسات العامة

عشرة أشخاص يدفعون سيارة متوقفة لكنها لا تتحرك، لماذا؟ الجواب: "خمسة يدفعون من الأمام وخمسة آخرون من الخلف". لن تتحرك السيارة حتى لو كانت الفرامل اليدوية مرخية، عدا ان هذه النكتة التي أسر بها لي ابني الصغير تشبيه بليغ لحالنا. يخلط الكثيرون بين حالة يختلط فيها التعبير عن الرأي والإعاقة. لا يتعلق الأمر بتطرف الرأي بل بما يدعو إليه أو ينطوي عليه ونتائجه على الأرض. الايديولوجيا ومدنها الفاضلة وجناتها لا تستقيم مع التعددية السياسية والاحتكام لصندوق الاقتراع. والغالبية والأقلية مفاهيم سياسية وليست مفاهيم عرقية أو طائفية، لأنها لو كانت كذلك لانتفى أي معنى للمواطنة. الطائفية مشروع للتقسيم والتذابح الأهلي وهي على النقيض من كل مفاهيم التعددية السياسية. لكن الطائفية تبقى عنصرا واحدا من العناصر التي تجعلنا دوما نرى ان ثمة من يدفع السيارة من الخلف وثمة من يدفعها من الأمام. عدا الطائفية، هناك الحريات العامة والفردية، الاحتكام لصندوق الاقتراع شاملا احترام المؤسسة التشريعية "أكرر المؤسسة لا الأفراد" والأهم الاقتصاد. في حمأة الجدل حول أية قضية، يتذكر المتجادلون ميثاق العمل الوطني، لكن الميثاق غدا لأزمة خطابية لا أكثر. فليس من المعقول ان نتذكره في قضية وننساه في قضية أخرى وعشرات القضايا الأخرى. ليس من المعقول ان نتذكره بحسب موقفنا من القضية المطروحة وننساه في قضايا أخرى يلح عليها الآخرون. مرجع هذا ان الميثاق تم التعامل معه كوسيلة للعبور من مرحلة إلى أخرى جديدة، وعندما جاءت المحكات العملية وطرحت المسائل على الأرض، وجدنا ان هناك عشرات التفسيرات لكل قضية، وحرية التعبير أصبحت موضوع هجمة ضارية وشرسة من الجميع: الحكومة والنخب السياسية والمجتمع بأسره. انشغلنا بجدل الولاء والمواطنة وأبدى الجميع رأيه بحماسة وراح الجدل يأتي بمفاعيله باتجاه مزيد من التهذيب والعقلنة للولاء الديني والولاء الوطني ووضع الفواصل جيدا بينهما. انشغلنا ايضا بالمؤسسة التشريعية وصلاحياتها وقدرتها ضمن جدل اكبر هو المشاركة والمقاطعة والصلاحيات الواردة في الدستور. استغرقنا هذا الجدل حتى اليوم. انشغلنا أيضا بالجمعيات السياسية والحياة وما اذا كنا مستعدين لتأسيس حياة حزبية ام لا. استغرقنا هذا الجدل وأبدت الحكومة موقفها لم تتراجع عنه فيما يتعلق بقانون الجمعيات السياسية. انشغلنا أيضا بجدل قانون الأحوال الشخصية وأوضاع القضاء الشرعي وراح المتجادلون الآن يفتشون عن المخارج والحلول الوسط والتسويات. وحدها الحريات الفردية التي تعرضت للهجوم الشرس ورحنا نتابع المقترح تلو الآخر تحت قبة البرلمان وخارجه التي لا تعبر الا عن احتقارها للحرية الفردية تحت مسميات شتى. لكن من دون أي رد فعل لا من الحكومة ولا من النخب ولا من التيارات السياسية ولا من الناشطين الحقوقيين. الذين يملأون الدنيا بالصراخ في أية قضية أخرى، تخرس السنتهم تماما عندما يتعلق الأمر بالحريات الفردية. فالحكومة لا ترد على تلك الاقتراحات التي ترمي إلى التدخل في حياة الناس واختياراتهم بان "الحرية الفردية" ركن أساسي في الحريات، بل تقول ان فصل الجنسين في الجامعة مكلف اقتصاديا. ولا ترد على اقتراح بانشاء جهاز للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بان هذا الاقتراح غير دستوري لتعارضه مع الحريات المنصوص عليها في الدستور. ومثلها تخرس السن عشرات الناشطين الحقوقيين وعشرات الجمعيات السياسية وعشرات الكتاب. السبب وراء هذا الاحساس الكامن باننا لا نتقدم وان السيارة لا تتحرك، هو غياب اتفاق واضح حول مبادئ أساسية يفترض ان تحكم أي مجتمع تعددي. تلك التي اسميناها اكثر من مرة "الحد الادنى من الثوابت". وإذا كانت هناك إجابة واضحة على بعضها وغياب لإجابات عن بعضها، فإن هذا يستدعي الانتباه وتدارك الأمر. احترام الشرعية السياسية، الحريات، حرية التعبير، حقوق الإنسان، الاحتكام لصندوق الاقتراع، الشفافية، الرقابة والمحاسبة بعض من المبادئ التي لا تستقيم من دونها أية ديمقراطية أو تعددية سياسية. فليس للحرية السياسية أي معنى طالما ان الحريات الفردية منتهكة. والحريات لا تجتزأ وكل ما يتطلب الأمر شجاعة في الدفاع عن حرياتنا الفردية مثلما ندافع بالحماسة نفسها عن حريتنا السياسية والا فإن السيارة لن تتحرك بل ستراوح في مكانها.

إقرأ أيضا لـ "محمد فاضل العبيدلي"

العدد 1170 - الجمعة 18 نوفمبر 2005م الموافق 16 شوال 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً