العدد 1173 - الإثنين 21 نوفمبر 2005م الموافق 19 شوال 1426هـ

سؤال بشأن الانسحاب

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

نفى وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد الاخبار التي سربتها الصحف الأميركية والبريطانية عن وجود خطة سرية للانسحاب من العراق في السنة المقبلة. فالوزير يرى أن هذه الانباء غير صحيحة وهي في النهاية تضعف معنويات الجنود وتعطي إشارات خاطئة للخصوم. الانسحاب غير وارد في القريب العاجل كما يقول وزير الدفاع. لكنه بات مسألة مطروحة على جدول أعمال الإدارة الاميركية من الآن إلى نهاية ولاية بوش الثانية في العام .2008 وإذا لم يتخذ «البيت الأبيض» قرار الانسحاب قبل بدء التحضير لمعركة الرئاسة بعد سنوات ثلاث فمعنى ذلك ان الإدارة اتخذت قرار المواجهة الداخلية ضد المنافسين الديمقراطيين. واحتمال تحويل الانسحاب إلى مسألة أمنية قومية يجعل الموضوع قضية استراتيجية مشتركة ستزيد من صعوبات اتخاذ القرار النهائي. فالحزب الجمهوري بنى سياسته الخارجية على أساس أن الدولة تواجه خطراً يعرض مصالح الولايات المتحدة إلى الانهيار، وبالتالي فإن ذريعة الحروب ليست دفاعاً عن مصالح الحزب واللوبيات (المافيات) التي يمثلها في الكونغرس والاجهزة الامنية ومؤسسات القرار بل هي جاءت لحماية أمن البلاد من خطر يهدد استقرار المواطن ونمط حياته. وهي أيضاً محاولة للرد على حرب عالمية أعلنت ضد مصالح الدولة العليا. هذه المقولات التي روجتها إدارة بوش في الولايتين يحتمل أن تتحول إلى سياسة عامة مشتركة لا يستطيع الحزب الديمقراطي تعديلها في حال نجح في معركة الرئاسة وجدد سيطرته على مقاليد الحكم ومراكز القرار. فالحزب الديمقراطي في النهاية هو نتاج المؤسسات الثابتة وهو يشكل الوجه الآخر من المعادلة الداخلية، لكنه لا يستطيع الخروج على الثوابت المشتركة وكسر سياسات خارجية تعتبر من الأسس القومية التي يصعب تغييرها. هذا يعني ان قرار الانسحاب من العراق وافغانستان والقواعد العسكرية في آسيا الوسطى ومنطقة الخليج لم يعد مسألة حزبية (مؤقتة) ترتبط بتوجهات الرئيس الجمهوري. وفي حال انتقل قرار الانسحاب من موضوع خاص (إدارة بوش) إلى قضية كبرى (مصلحة قومية) فمعنى ذلك ان التغيير في القيادة السياسية لإدارة «البيت الأبيض» لا يعني بالضرورة ان هناك تعديلات قريبة وسريعة تتعلق بمسألة العراق وافغانستان أو تلك التهديدات المستمرة التي تطلقها واشنطن ضد دول الجوار المتصلة جغرافياً وسياسياً بتداعيات الاحتلال. كلام رامسفيلد بشأن نفي الانباء التي تتحدث عن خطة انسحاب في السنة المقبلة لا يعني أيضاً انه لا وجود لخطة ترسم سيناريو الانسحاب. فالخطة موجودة والسيناريو مفتوح على احتمالات مختلفة الا أن المشكلة في التوقيت (متى يتخذ القرار ومتى ينفذ) وايضاً في الحجم (كمية القوات التي يراد سحبها) وكذلك في تداعيات الانسحاب الكلي أو الجزئي. فالموضوع كبير والورطة اكبر. وبسبب هذه الاحتمالات السلبية تركت الخطة مفتوحة زمنياً حتى لا يقال إن أميركا هزمت وانها تعاني من معضلة الخروج. فكرة الانسحاب واردة ولكن الخلاف على التوقيت والحجم (النسبة) واحتمال حصول تداعيات وانهيارات سياسية تمس الأمن القومي الأميركي والمصالح الاستراتيجية الكبرى كلها نقاط تؤجل اتخاذ القرار. وبما ان إدارة بوش تحاول جاهدة تبرير سياستها انطلاقاً من التأكيد على المصلحة القومية المشتركة نافية الأسباب الخاصة للحروب تصبح احتمالات طرح الموضوع علناً ممنوعة حتى لا تتأثر الاستراتيجية العامة وتبدأ العلاقات الداخلية أو حتى الدولية والاقليمية بالاهتزاز. ملف الانسحاب الأميركي من العراق يعني استراتيجياً هو بداية قراءة للسياسة العامة في منطقة الخليج. كذلك الانسحاب من افغانستان يعني إعادة النظر بالاستراتيجية الكبرى المتصلة بجنوب شرق آسيا والمناطق الحساسة التي تحيط بالحدود الهندية والصينية والروسية. وكل هذه الأوراق التي يتضمنها ملف الانسحاب تضغط بقوة على بوش وكذلك على الإدارة الديمقراطية في حال نجحت في الانتخابات المقبلة. المسألة ليست في الفكرة وانما في تداعيات القرار المتوقعة بعد الانسحاب. فالتداعيات تشكل عقبة حقيقية وتعطل كل محاولة للتفكير في اتخاذ الخطوة.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 1173 - الإثنين 21 نوفمبر 2005م الموافق 19 شوال 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً