العدد 2437 - الجمعة 08 مايو 2009م الموافق 13 جمادى الأولى 1430هـ

المديرون التنفيذيون وتأثيرهم في إنجاح سياسات إصلاح سوق العمل

عبدالله جناحي comments [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

نجاح أية سياسة اقتصادية أو اجتماعية يعتمد على قناعة الأطراف البشرية المستفيدة منها والعمل على تقليل عدد المتضررين من تنفيذها.

وفي سياسات إصلاح سوق العمل المسألة أكثر تعقيدا، فنجاحها يعتمد على عوامل موضوعية خارجة عن إرادة متخذي ومتابعي تنفيذ هذه السياسات كتأثير ارتفاع أو انخفاض أسعار النفط المصدر الأساسي للدخل الوطني في البلاد، أو تداعيات الأزمات الاقتصادية العالمية، وتعتمد على عوامل عضوية مرتبطة بنجاح أو فشل هذه السياسات أهمها النظام التعليمي ومنظومة التدريب، ومدى قدرة وكفاءة القائمين على صياغة برامج وتنفيذها ليتحقق الشعار القديم/ الجديد المرفوع منذ ثلاثة عقود وأكثر والمتمثل من «مواءمة مخرجات التعليم والتدريب مع احتياجات سوق العمل» وهو الشعار الذي ركز عليه القطاع الخاص أكثر من غيره لمواجهة سياسات إحلال المواطنين محل الوافدين في سوق العمل.

وبالطبع وجود تشريعات واضحة وملزمة يمثل عاملا أساسا في نجاح هذه السياسات، بجانب الوعي والتثقيف المطلوبين من قبل النقابات العمالية لتشجيع المواطنين على التشرب بقيم العمل والإنتاجية والكفاءة يرافقه سياسات تحفيزية وعادلة من قبل الإدارات التنفيذية في القطاع الخاص وأهمها الأجر العادل وعدم التمييز في العمل والمفاوضة الجماعية المنتظمة والشفافية والتشاركية في اتخاذ القرارات ذات العلاقة بحاضر ومستقبل العاملين المهنية والمادية والمعنوية.

يأتي دور المديرين التنفيذيين في الشركات كمفصل أساس في إنجاح هذه السياسات، حيث أنهم المتابعون المعتمد عليهم من قِبَل مجالس إدارة الشركات واقتراحاتهم وتصوراتهم وقناعتهم هي التي تؤثر على سلاسة تنفيذ السياسات والبرامج العامة الوطنية أو الخاصة الداخلية لكل شركة.

يبدو مرحليا أن غالبية هؤلاء المديرين لديهم قناعات راسخة في مجال الإحلال أو في مجال جودة التعليم والتدريب لا تخدم ولن تؤدي إلى نجاح سياسات إصلاح سوق العمل؛ الأمر الذي يتطلب ليس مواجهة هذه القناعات، بل إعادة النظر بشكل جِدّي في استراتيجيات التعليم والتدريب وفي طريقة تنفيذها وكفاءة القائمين على ذلك، وإلا فإن التحديات الكبيرة في تخفيض نسبة العمالة الأجنبية الوافدة التي أصبحت مهيمنة على أسواق العمل الخليجية بشكل خطير، لتصبح القوى العاملة المواطنة أقلية أمامها، ستكون تحديات تفشل جميع السياسات الرامية لإصلاح سوق العمل، أو لتوفير فرص عمل جديدة للمواطنين، أو لتحقيق قيمة مضافة للوطن والمواطن من نسب النمو الاقتصادي بدلا من الهدر في الإمكانات والثروات.

في تقرير بعنوان «تحديات رأس المال البشري في العالم العربي، صوت الرؤساء التنفيذيين» أصدرته مؤسسة محمد بن راشد المكتوم، يشير إلى إحصاءات مقلقة حول رأي هؤلاء المديرين الكبار في جملة من المقومات الرئيسية لإصلاح سوق العمل.


ضعف النظام التعليمي والتدريبي

يؤكد غالبية المديرين التنفيذيين في دول مجلس التعاون الخليجي - بحسب التقرير المشار إليه - أن المواطن لم يستفد كثيرا من النمو الكبير الذي حدث في السنتين الماضيتين بسبب فجوة بين العرض والطلب في سوق العمل نتيجة وجود نسبة كبيرة من السكان تحت سن الـ 30 عاما، يفاقمه ضعف النظام التعليمي في المنطقة وضعف قدرته على توفير المهارات المطلوبة والتدريب اللازم. وفي أكثر من محور بالتقرير يتكرر هذا الانتقاد الجدي الذي يحتاج إلى توقف جدي أمامه من قبل أصحاب القرار.

كما يؤكد هؤلاء المديرون التنفيذيون ونسبتهم 91 في المئة أنهم يعتمدون على توظيف الوافدين لملء الشواغر الرئيسية، وأعرب 14 في المئة من المديرين التنفيذيين في الإمارات العربية المتحدة، و12 في المئة في البحرين بعدم رضاهم عن كفاية عرض العمالة الوطنية الماهرة؛ الأمر الذي يعني باستمرار تدفق العمالة الأجنبية في السوق ليس فقط العمالة غير الماهرة، بل حتى الماهرة منها.


جودة القوى العاملة الوطنية والأجنبية

الدراسة المذكورة طلبت من المديرين التنفيذيين تقييم جودة القوى العاملة المواطنة والوافدة، فظهرت نتائج مقلقة لن تخدم أية رؤية مستقبلية أو سياسة إصلاحية.

حيث أشار 90 في المئة منهم إلى أنهم يثمنون عاليا كفاءة وإنتاجية كبار المديرين الوافدين العاملين في شركاتهم، في حين 68 في المئة منهم أبدوا تقديرهم لكفاءات إنتاجية كبار المديرين المواطنين.

بيد أن القلق يزداد إذا ما تأملنا قناعات هؤلاء الكبار تجاه التعامل مع الوظائف في الإدارات المتوسطة، في حين 92 في المئة منهم أعربوا عن رضاهم الكبير لنوعية المديرين الأجانب في المستوى الإداري نفسه ووصفوها بأنها نوعية ذات مستوى رفيع.


ماذا يعني ذلك؟

يعني أن الرؤية المستقبلية للبحرين للعام 2030 م وبرامج إصلاح سوق العمل تواجه خطورة الفشل النسبي، حيث الهدف الأساسي عن الرؤية وإصلاح سوق العمل هو توفير فرص العمل ذات الرواتب المجزية للمواطنين، والوصول بالرواتب والأجور إلى الضعف في العام 2030م! بجانب فشل سياسات الإحلال والتوطين.


قناعات المديرين الكبار ببرامج التوطين والإحلال

أمام الزيادة المطردة للعمالة الأجنبية الوافدة طرحت دول مجلس التعاون ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي كثرة من الإجراءات والسياسات الرامية لإحلال المواطنين محل الأجانب وتنفيذ برامج التوطين.

ومن هذه الإجراءات تخصيص حصص إلزامية للمواطنين في مؤسسات القطاع الخاص، ومرة أخرى فإن البطء في تنفيذ هذا الإجراء أو التلاعب بشأنه عبر زيادات وهمية لتوظيف المواطنين مقابل حصول الشركات على رخص استقدام العمالة الأجنبية يتجلى في وجود قناعات لدى المديرين الكبار في هذه الشركات حيث بدوا مترددين - بحسب الدراسة - في الاستعاضة عن العمالة الوافدة بالمواطنين؛ ومبررهم القوي هو جودة وإنتاجية وكفاءة أعلى وأفضل للأجنبي.

السؤال المهم الذي يجب التوقف الجدي أمام أجوبة هؤلاء الكبار عليه هو التالي:

هل هذه المفاهيم (القناعات ومن ثم الإجراءات العملية) ستتغير في المستقبل لدى هؤلاء المديرين؟

إن أهمية تحليل أجوبة المديرين على هذا السؤال تأتي من منطلق أنها مبنيّة على مدى قناعاتهم لصوابية الاستراتيجيات والرؤى والسياسات التي أقرت بهدف إصلاح سوق العمل، وبالتالي فإن تفاؤلهم أو تشاؤمهم للمستقبل مبنيّان على قناعاتهم لنجاح هذه الاستراتيجيات وقناعاتهم من عقبات ومحبطات الحاضر المملوء بموروث تاريخي من سياسات خاطئة لسنوات طويلة سابقة من الممكن التخفيف عنها لنجاح السياسات في المستقبل.

غير أن تقييم هؤلاء الكبار لا يبشر بالخير؛ فنسبة كبيرة منهم يعتقدون أن الفجوة القائمة بين مهارات التعليم تشكل تهديدا خطيرا لاستمرار النمو.

ففي حين أبدى 29 في المئة منهم تفاؤلا بأن تطبيق نظام حصص التوطين مفيد، 41 في المئة منهم يرون أن هذا النظام سيفيد الاقتصاد، غير أن الشيطان يكمن في التفاصيل، حيث أن تحليل قناعات هؤلاء الكبار في كل قطاع اقتصادي هو الكفيل بالوصول إلى النتائج المرجوة.

فمن المعروف أن في الاقتصاد الوطني قطاعات تستقطب عمالة غير ماهرة وبرواتب غير مجزية للمواطنين، في حين توجد قطاعات تحتضن وظائف لعمالة ماهرة وبرواتب مجزية؛ الأمر الذي يدفع لأية رؤية مستقبلية تهدف إلى زيادة مستويات الدخل والمعيشية النجاح.

وبحسب الدراسة، فإن 42 في المئة فقط من المديرين الكبار في قطاع التعدين والخدمات العامة يرون أن نظام الحصص أدى إلى قيمة مضافة لشركاتهم، وهي نسبة وإنْ كانت أقل من الطموح إلا أنها مشجعة للمزيد من تلبية احتياجات هذا القطاع تعليميا وتدريبيا لزيادة هذه النسبة، وخاصة أن قطاع التعدين، بجانب أنه قطاع إنتاجي مهم للمواطنين حيث يستطيع أن يخلق قيم الالتزام بالعمل والانضباط والكفاءة الإنتاجية وحسابها بشكل دقيق، فهو قطاع يخلق ليس فقط قيمة مضافة أفقية وتكاملية بل زيادات ملموسة في تحسين المستوى المعيشي للمواطنين.

في حين أن نتائج قناعات المديرين الكبار في القطاعات الاقتصادية التي يراهن عليها أصحاب القرار السياسي والاقتصادي كقطاع الخدمات المالية والترفيه والإعلام هي نتائج محبطة ومقلقة في آن واحد، حيث أشار فقط 21 في المئة من هؤلاء الكبار في قطاع الخدمات المالية إلى أن نظام الحصص قد خلق قيمة مضافة لشركاتهم، والنسبة نفسها في قطاعي الترفيه والإعلام.

المطلوب بالتالي التقاط هذه النتائج المقلقة وتنفيذ مسببات هذه القطاعات، وبالذات التحول الجذري المطلوب في المنظومة التعليمية والتدريبية والانتقال من مرحلة التسويق الإعلامي والدعائي المجوف إلى صياغة استراتيجيات يقود تنفيذها كوادر مؤهلة بعقول نقدية وإمكانات تحليلية وإدارة علمية ورقابة شفافة، وتقييم دوري ومحاسبة جادة ومراجعة مستمرة، حينها تتحول الرؤى النظرية إلى واقع ملموس سيفرض حتما تغيير قناعات كبار المديرين التنفيذيين في الشركات كطريق أساسي للإحلال والتوطين.

إقرأ أيضا لـ "عبدالله جناحي"

العدد 2437 - الجمعة 08 مايو 2009م الموافق 13 جمادى الأولى 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً