العدد 3103 - السبت 05 مارس 2011م الموافق 30 ربيع الاول 1432هـ

الثورة المضادة والدهاء السياسي «التجربة المصرية» (2 - 2)

محمد نعمان جلال comments [at] alwasatnews.com

سفير مصر الأسبق في الصين

هذه الأساليب الثلاثة السابق عرضها تمثل أخطر أساليب الثورة المضادة، وهي التي أطلق عليها فلاديمير لينين «المراهقة الثورية» برفع شعارات متطرفة أو بالغة التطرف لا تعبر عن المرحلة التاريخية والاجتماعية للتطور، ولهذا حدث الانشقاق الأول في الثورة الكبرى في روسيا، ثورة 1917، بين المنشفيك والبولشفيك، وبروز الفكر التروتسكي.

ومن ثم فإن اللجوء للتاريخ الإسلامي الصحيح في عهد النبي محمد (ص) الذي بعد أن هاجر من مكة نتيجة محاصرة الكفار له ولأتباعه، وبعد أن عذبوا أصحابه أشد العذاب، فإنه عندما عاد فاتحاً لمكة أدرك المفهوم الثوري الإسلامي الحقيقي، وهو القائم على التسامح والعفو، مع الحذر والحرص من الانسياق وراء شهوة الانتقام التي يعيش فيها المنتصرون عادة وأعلى مفهوم الاعتدال والتسامح، ولذلك دخل الناس في دين الله أفواجاً، وعرف عام فتح مكة بأنه عام «الأفواج أو الوفود» التي جاءت من أقصى مدن وقرى شبه الجزيرة العربية لاعتناق الإسلام، معظمها صادق وقلة كاذبة، أو تنتهج مبدأ المداراة، ولكن الإسلام كان عقيدة سلمية وعقلانية، أو كأي مبدأ قانوني لا يحاسب الناس على ما في قلوبهم، وإنما على أعمالهم وأفعالهم، وهذا ما أصبح معروفاً في القانون الحديث بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

إنني أدرك أنه من الصعب، في لحظة الفوران الثوري والحماس الثوري، الدعوة للعقلانية والاعتدال، ولكنني أدرك أيضاً أن مسئولية الباحث السياسي والمفكر السياسي هو قرع الأجراس وتوضيح الرؤى والمساعدة في ضبط التطلعات، وهذا ما قام به النبي محمد (ص) عندما لم يستجب للمتشددين من أتباعه، وأعلن قولته المشهورة لأهل مكة «اذهبوا فأنتم الطلقاء». وهذا ما قام به لينين عندما رفض فكر تروتسكي، وهذا ما يقوم به أي إنسان عاقل وسوي، عليه مسئولية في توضيح الصورة كاملة وإبراز عبرة التاريخ ودروس تجارب الأمم.

ولكن أيضاً مطلوب من الثورة أن توضح مطالبها ولا تنساق تجاه الشعارات والقوى، توضيح المطالب هو توضيح الرؤية وتحقيق للمصداقية، وإظهار أن الثوار هم أناس عقلانيون علميون ناضجون، وتسيرهم عقولهم، وليس انفعالاتهم، ومن أجل هذا التوضيح نقول إن المطلوب في الفترة الانتقالية أي الشهور الستة هذه، ما يلي:

- تقديم الشخصيات المئة أو المئتين من كبار رؤوس النظام وأذنابهم للمحاكمة العادلة في أسرع وقت ونقطة البداية هي وضع أملاكهم تحت التجميد ووضعهم قيد الاعتقال حتى يتسنى محاكمتهم والحيلولة دون هروبهم.

- وضع جدول زمني للإصلاح الجزئي ثم الإصلاح الجذري، ونقول الجزئي لأن الإصلاح الجذري في مصر سوف يؤدي إلى إطالة الفترة الانتقالية لأكثر من ستة شهور، ومن ثم استمرار الحكم العسكري، وهذه الإطالة لها مخاطرها، إذ قد تفتح شهية رجال الحكم العسكري للسلطة فهم بشر مثل غيرهم من البشر، وهذا ما حدث في ثورة 1952 عندما وجدوا الأحزاب القديمة تتصارع مع بعضها البعض وتتبادل الاتهامات بالفساد وهنا ندخل مرحلة أكثر صعوبة وخطورة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى بما أن هذه فترة انتقالية فلن يكون من السهل بلورة خطة اقتصادية إنتاجية تنموية، وهذا يؤدي لمزيد من الخسائر الاقتصادية واستمرار معاناة الشعب.

- ضرورة العمل للعودة للحكم المدني بأسرع وقت، حتى وإن كان حكماً مدنياً لا يحقق كل الطموحات، لأن الطموح لا نهاية له، والتغيير هو عملية مستمرة، وكما هو معروف فإن الديمقراطية في أميركا القرن الحادي والعشرين تختلف عن نشأة الديمقراطية لديها منذ قرنين من الزمان، كذلك ديمقراطيات فرنسا أو بريطانيا أو ألمانيا.

- ضرورة الإسراع في بناء مؤسسات قوية على أسس راسخة لبناء النظام الجديد، ولا يحسبن أحد من الثوار أن النظام القديم يمكن أن يموت فجأة بالسكتة القلبية، ومن ثم فلابد من اليقظة التي تعتمد على مقومات ثلاثة هي: سلطة الشعب بأجهزة منتخبة، سلطة الصحافة الحرة والمستقلة، سلطة الرأي العام والمجتمع المدني وقوى المجتمع الحية، وفي مقدمتها الشباب.

إن هذا ما يضمن عدم انزلاق النظام للفساد الذي هو سمة بشرية، ولكن الرقابة والمحاسبة هي الأداة السليمة لذلك، كذلك التغيير الدوري للمسئولين في الحكم، والإدارة في مختلف مرافقها، هو ضمان لمنع نشوء مراكز قوى مستبدة أو فاسدة. ونشير للنظام الصيني الإداري، إذ إن المسئول يتولى منصبه لمدة 4 سنوات كحد أقصى (أي الدورة البرلمانية)، ولا يجد له إلا نادراً، وإذا كان إنتاجه متميزاً فيتم ترفيعه لمنصب أعلى في الدولة، وإذا أخفق يتم التخلي عنه، أما إذا أخطأ خطأ واضحاً فيتم إحالته للتقاعد ومساءلته، هذا حدث مع وزير الصحة عند انتشار مرض سارس، ومع وزير المياه عندما لم يتنبأ بدقة وباستعداد للفيضانات الخطيرة.

فالأحزاب تتناوب السلطة والطبقات والقوى السياسية كل له مصالحه، ولابد أن يكون له ممثلون في السلطة لأن الحكم الديمقراطي السليم، هو حكم توافقي، وإن أخذ شكل الأغلبية، ولكن في إطار من توازن السلطات، ودراسة النظام الأميركي أو البريطاني يوضح عملية التوازن والتوافق. فالرئيس الأميركي رغم أنه أقوى حاكم في العالم من حيث الصلاحيات ولكنه لا يستطيع ممارستها دون موافقة الكونجرس على الموازنة، ولعلنا نتذكر أنه في أوائل التسعينيات من القرن العشرين رفض الكونجرس الموافقة على موازنة الدولة التي قدمها الرئيس جورج بوش الأب، وتوقفت الإدارة الأميركية، وعجزت عن دفع مرتبات موظفي الحكومة المركزية، والرئيس باراك أوباما رغم فوزه الكاسح في الانتخاب، لم يستطع أن يمرر قانون التأمين الصحي دون تقديم تنازلات لخصومه من الجمهوريين وهكذا. نقول إنه لا يستطيع أي حاكم في نظام ديمقراطي سليم أن ينفرد بالسلطة والقرار، وبالمنطق نفسه فإن الحاكم المنتخب يتجاوب مع مطالب المعارضة، ومع توجهات الشارع السياسي، ولكن في الوقت نفسه ينبغي أن نقول إن الشارع السياسي، هو المعبر عن ضمير المجتمع، وليس هو صاحب القرار السياسي الذي هو مسئولية الممثلين المنتخبين ديمقراطياً من الشعب، والذين يدرسون كل مشروع قرار دراسة علمية مستفيضة، ويستعينون بالخبراء والمتخصصين، ويرجعون لدوائرهم الانتخابية لجس نبض مشاعرهم واتجاهاتهم.

هذه أفكار نطرحها للتأمل من واقع متابعة ثورة 25 يناير/ كانون الثاني العظيمة التي حازت على إعجاب شعوب العالم، ولكن يخشى عليها من الثورة المضادة، ليس من الأعداء بل من داخل صفوفها، ولهذا نذكر بالقول المأثور «اللهم احمني من أصدقائي فإنني كفيل بأن أحمي نفسي من أعدائي» والقول «عدو عاقل خير من صديق جاهل»

إقرأ أيضا لـ "محمد نعمان جلال"

العدد 3103 - السبت 05 مارس 2011م الموافق 30 ربيع الاول 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً