العدد 3212 - الخميس 23 يونيو 2011م الموافق 21 رجب 1432هـ

من البداية حتى اليوم: نظرات في تاريخ اليهود في البحرين (1)

محمد نعمان جلال comments [at] alwasatnews.com

سفير مصر الأسبق في الصين

يمثل تاريخ الجالية اليهودية في البحرين نقطة اهتمام لدى الباحث في العلوم السياسية بوجه خاص لثلاثة اعتبارات:

أولها: الدور المتنامي في الحياة السياسية منذ مرحلة الإصلاح وبخاصة لتعيين يهود في مجلس الشورى البحريني ثم في السلك الدبلوماسي البحريني.

ثانيها: قرار جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة تعيين هدى نونو سفيرة للبحرين في الولايات المتحدة، وهي القوة العظمى في هذه المرحلة التاريخية، وتضم أكبر وأهم جالية يهودية في العالم، بما لها من تأثير سياسي واقتصادي وإعلامي وأكاديمي وبحثي.

ثالثها: الوجود اليهودي في الحياة الاقتصادية وخصوصاً في النشاط المصرفي البحريني. وكما هو معروف فإن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة. وقد أثار ذاك اهتمامي كمستشار في مركز البحرين للدراسات والبحوث عندما قامت إكرام القطان في المركز بتقديم بحث العام 2005م، عن الجالية اليهودية في البحرين، ثم تصادف أن التقيت في إحدى الندوات عضو مجلس الشورى البحريني نانسي إيلي خضوري فور صدور قرار تعيينها، وتطرق الحديث إلى الجالية اليهودية في البحرين، وبعد يومين أحضرت لي كتاباً ضخماً باللغة الإنجليزية يقع في 586 صفحة بعنوان: «تاريخ اليهود في البحرين منذ البداية حتى اليوم».

نانسي خضوري ولدت في لندن، وتعلمت في مدرسة القلب المقدس في البحرين ثم في بريطانيا، حيث درست القانون، وهي كما تقول ليست كاتبة محترفة، لكنها جمعت كل ما يتعلق بتاريخ اليهود في البحرين من مصادر متعددة معظمها مصادر مباشرة من الأشخاص من الجالية اليهودية، بل ومن المسلمين والمسيحيين في البحرين، وكتابها مليء بالعديد من الصور الفوتوغرافية عن الشخصيات والأماكن والأحياء في البحرين، ومن ثم فإن الكتاب يعد وثيقة تاريخية مهمة ليس لتاريخ اليهود فحسب، بل لتاريخ البحرين عموماً.

يقع الكتاب في 25 فصلاً ويبدأ الفصل الأول بعنوان: اليهود في البحرين، حيث تشير المؤلفة إلى أن الجالية اليهودية في البحرين أصولها من العراق، وقلة من أصول هندية أو فارسية. وقد وفدت تلك الجالية إلى البحرين في مطلع القرن العشرين، وعملت في التجارة وانتخب بعض أعضائها في المجالس البلدية عندما أجريت انتخابات حرة شارك فيها الرجال والنساء العام 1919م، من البحرينيين وغير البحرينيين، ثم في غرفة التجارة والصناعة حيث أصبح بعضهم أعضاء في مجلس إدارتها. وأبرزت الكاتبة أن عدد الجالية الآن 36 شخصاً لأن معظمهم هاجر إلى الولايات المتحدة، وأن اليهود في البحرين يتمتعون بكامل الحرية الدينية والسياسية، وشاركوا في الانتخابات النيابية والبلدية منذ مبادرة الإصلاح التي أطلقها الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ولم يواجهوا أية مشاكل في حياتهم أو ممارسة عبادتهم، على رغم أن غالبيتهم غير متدينين، لكنهم يحرصون على الاحتفال بالمناسبات الدينية.

وأوضحت أنهم يحترمون قانون البلاد وتقاليدها وعاداتها، ويشعرون بالامتنان للملك ولرئيس الوزراء وولي العهد وأبناء البحرين كافة من مختلف الأديان والأعراق ذلك لأن البحرين نموذج للتسامح والحرية والتعايش بين جميع مواطنيها.

الفصل الثاني عن المعبد والمدفن اليهودي، وقد أبرزت أن المعبد والمدفن تم إنشاؤهما بعد فترة من قدوم اليهود إلى البحرين في العقد التاسع من القرن التاسع عشر من العراق، وأن المعبد تم تمويله من تاجر لؤلؤ فرنسي كان يحضر مراراً إلى البحرين في الثلاثينات من القرن العشرين لشراء اللؤلؤ وبيعه في فرنسا.

وقد استقت تلك المعلومة من عبدالكريم علي العريض الذي كانت أسرته من أكبر تجار اللؤلؤ في البحرين.

ويبدو أن فرنسيين أربعة أغنياء كانوا يفدون لشراء اللؤلؤ من البحرين وهم من أصول عراقية أيضاً، لأنهم كانوا يجيدون اللغة العربية.

وقد أشار إلى دور هؤلاء التجار الأربعة أيضاً، الباحث الكويتي يوسف علي المطيري في كتابه عن «اليهود في الخليج»، وأيضاً الكاتب الكويتي سيف مرزوق شملان في كتابه باللغة العربية عن «تاريخ الغوص في الكويت والخليج»، وكان هؤلاء التجار اليهود الفرنسيون يقيمون في بناية يمتلكها عبدالرحمن القصيبي وتعاملوا مع عائلات القصيبي والشيراوي والزياني والعريض.

وتشير الكاتبة إلى ارتباط أسرتها «خضوري» بالمعبد منذ البداية، حيث كان أحد العمال اليهود يعمل في الصياغة ويدعى «خضوري الصايغ»، وقد وجدت في سجلات المدرسة الجعفرية والمدرسة الغربية ومدرسة أبو بكر الصديق بعض الوثائق التي تشير إلى خضوري الصايغ والذي توفي في البحرين في أواخر الثلاثينات من القرن العشرين.

وأشارت الكاتبة إلى تدنيس وسرقة المعبد ومحتوياته العام 1948م، ولكن تمت إعادة المسروقات العام 1985م، ولعب يعقوب كوهين دوراً مهمّاً في هذا الصدد بإعادة بناء المعبد، علماً بأن المسروقات تم إعادتها بمبادرة من الذين سرقوها.

الفصل الثالث يخصص لأسرة «مناشيه إبراهام كوهين» الذي حضر إلى البحرين مع عدد من اليهود من جنوب إيران على مركب من العراق، والتقى عليها مع يهودي آخر هو إبراهام نسيم نونو، وأقاما شركة معاً في البحرين في العشرينات وظلا يسكنان المنزل نفسها حتى اشتراه «إبراهيم نسيم نونو» منه، ثم تزوج من «حلوة داوود روبين» أخت «مائير داوود روبين» وأنجبا 6 أطفال (4 أولاد و ابنتين).

الفصل الرابع تناول بعض الذكريات مع «أحمد الأمير» طبيب بيطري، أشار في ذكرياته إلى علاقاته مع اليهود، وذكر أنهم يتكونون من مجموعتين إحداهما جاءت من العراق وكانوا أغنياء، والثانية جاءت من إيران وكانوا فقراء. وعملت الأولى في مجال الصيرفة والنسيج، في حين عملت المجموعة الثانية دلالين (السير على البيوت لبيع سلعهم).

وتشير المؤلفة إلى عدد من البحرينيين ساعدوها في الحصول على صور ومعلومات ومن بينهم «نبيل عبدالرحمن أجور»، والمؤرخ «يوسف صلاح الدين». وتذكر أن شارع المتنبىء كان يطلق عليه سكة اليهود وكان به محلات كثيرة لليهود في الماضي.

الفصل الخامس: شارلز بيلغريف واضطرابات العام 1948م، وتذكر هنا المستشار البريطاني لحاكم البحرين من العام 1926م إلى 1957م، والذي عمل تحت رئاسة الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة (1872م – 1942م)، ثم الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة (1895م – 1961م)، وذكر أنه في البحرين كانت هناك جالية يهودية يتراوح عددها بين 300 و400 فرد في المنامة، وكان أفرادها يعيشون في هدوء، ويتسمون بالجد والعمل.

وأوضحت الكاتبة أنها لا ترغب في مناقشة أعداد اليهود في البحرين، لكنها تؤكد أن من تركوها للخارج، كان بمحض إرادتهم، وتشير إلى أنه نتيجة اضطرابات العام 1948م، فإن معظم اليهود في البحرين وجدوا حماية من جيرانهم المسلمين، وفقاً لما رواه بلغريف في مذكراته، لكن بعض المنازل تعرضت للنهب آنذاك، وقد أعلنت الحكومة البحرينية أن من يرغب في الهجرة لإسرائيل، فمن حقه أخذ كل ممتلكاته وأمواله ويذهب، ولكن لن يسمح له بالعودة ثانية إلى البحرين، وهكذا غادر معظم اليهود البحرين، ومن بقي من اليهود وجدوا حماية من عدد من الأسر البحرينية مثل «كانو» و»خنجي» و»ميرزا» و»صلاح الدين» وغيرهم، وكان من بين تلك الأسر اليهودية عائلة «نونو» و»خضوري» و»زلوف».

الفصل السادس: تستطرد الكاتبة في ذكر شخصيات وعائلات يهودية منها «مسعودة شاوول» وهي عملت خياطة ملابس، وقد تزوجت مسعودة من «محمد أمين» وعاشا معاً، وكانت حضرت إلى البحرين من العراق وعاشت في فريج الفاضل، الفصل مليء بالوثائق عن ملكية المنازل أو إيجارها أو المحلات.

وتسرد المؤلفة زيارة الملكة إليزابيث الثانية للبحرين في أواخر السبعينات من القرن العشرين، واجتماعها مع الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، وتشير إلى ذكريات مسعودة مع عدد من آل خليفة.

ثم تتناول حياة «فهيمة إبراهام» وهي حضرت من العراق، وتشير إلى أن إبراهيم بشمي» أشار إليها في كتاب له وتزوجت من بحريني هو «سيد عبدعلي» وأصوله من مسقط، وكان يسمى «عبدالرضا جناب» وكان يعمل في التجارة مع الهند، ولذلك تردد أن فهيمة أصولها من الهند وليس العراق. وقد مات زوجها بعد فترة قصيرة من الزواج، وتشير إلى أن «فؤاد إبراهيم الشكر» وهو تاجر بحريني ذكر أنها كانت تبيع العصير في الصيف، وقد منح منزلها إلى الأوقاف الجعفرية بعد وفاتها.

تواصل الكاتبة سرد قصص وذكريات وتاريخ الأفراد والأسر اليهودية، وتوضح أن اليهود انخرطوا في مختلف المهن «سليمان زيلوف» مثلاً عمل مدرساً للرياضيات، كما توضح أن اليهود اختلطوا مع مختلف الأسر البحرينية وعاشوا في أحياء متعددة مثل فريج الفاضل وفريج الحطب وغيرهما. كما خصصت فصلاً لـ «فلورا» المشهورة باسم «أم جان» نسبة لابنها، عملت قابلة وقامت بتوليد كثير من سيدات البحرين. وكانت سيدة تركية الأصل وتزوجت من مسيحي من أصل هندي في البصرة، وقد رحلت مع أسرتها إلى إيران ثم إلى العراق ثم عادت إلى البحرين.

وعائلة «صالح الياهو يادجر Yadgar» والذي كان من أوائل اليهود الذين سكنوا البحرين في الثمانينات من القرن التاسع عشر قادماً من البصرة. واعتمدت الكاتبة كثيراً على حوليات تاريخ «البوجيري» في الفترة من 1939م إلى 1945م. وقد عاش صالح يادجر وشهرته صالح اليهودي في البداية في الإحساء، وكان يتاجر في المنسوجات، وبعد ذلك حضر إلى البحرين وساعدته عائلة العريض كثيراً وبادلها أحفاد صالح يادجر التضامن عندما واجه عباس العريض صعوبات في الحياة. كما تناولت حياة عائلة «سويري» وأصلها من العراق

إقرأ أيضا لـ "محمد نعمان جلال"

العدد 3212 - الخميس 23 يونيو 2011م الموافق 21 رجب 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً