العدد 3212 - الخميس 23 يونيو 2011م الموافق 21 رجب 1432هـ

التنظيم في الأنظمة الشمولية...

خالص جلبي comments [at] alwasatnews.com

.

أخوف ما تخاف منه الأنظمة الشمولية أن تتشكل في وجهها نواة معارضة ولو كانت مثقال حبة من خردل لأن هذا يعني أمرين خطيرين: أن هناك ما هو خارج تنظيمها. وأنه يحمل بذرة فناء النظام ولو بعد حين. فهذه أبجديات وبديهيات لأي نظام شمولي وصل إلى السلطة بقوة السلاح وتسلط على رقاب العباد باللاشرعية ويحافظ على وجوده بالسيف ويحرس الأوضاع بعيون لا تنام وعلى كتف كل مواطن رقيب عتيد ما يلفظ من قول إلا سجل بملف كبير في قبو عامر بآلاف الملفات لمقلقي النوم العام.

يمتاز النظام الشمولي بثلاث صفات: يمتاز (أولاً) أن كل الأمة منظمة ضمن تنظيمه وضمن ما يرى ويسمع ويشم ويحس ولو كان دبيب نملة أو طنين نحلة. ويمتاز (ثانياً) أن كل معارضة وأية معارضة هي خيانة وهرطقة وحرام وعيب وخارج تقليد البلد. وكل الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب.

ولكن من هم أعداء الشعب؟ إنها كلمة ملغومة يمكن أن تتحول ضد كل الشعب في أية لحظة.

وسبب الخوف الهائل عند النظام الشمولي أن المعارضة تعني عمل العقل والاستقلالية. وأنها نوع من الإقرار الخفي أن هناك ثغرة في الأوضاع قصر فيها النظام الشمولي ولذا اعترضت المعارضة وأبدت الرأي. ولكن هذا يمثل خللاً خطيراً بقدسية وألوهية النظام الشمولي لأنه نظام لا يقاربه الخطأ أو يعتريه النقص أو يخالطه الهرم أو يمازجه المرض ولا تأخذه سنة ولا نوم. ومتى مرضت الآلهة أو اعتراها الضعف والنقص أو ارتكبت الخطأ. وهذا ينعكس بشكل واضح في مظهر رأس النظام الطاغية والرهط المفسدون من حوله والنخبة التي تمثل الحلقة الثالثة في تركيبة الديكتاتورية. فالزعيم ملهم ومقدس. كلماته وحي. وشعره خالد. وخطبه عصماء. وأقواله مأثورات تعلق في لوحات مضاءة لتثقيف مواطن جاهل. ولذا ارتفعت صوره في كل ساحة. ووضعت تماثيله في كل ركن. وحفظت أساطيره في الإذاعة والتلفزيون كخزان للطاقة والاستلهام العبقري. من رحم أمة عقيم. فلم تنجب ولن تنجب سواه إلى يوم الدين.

ويمتاز (ثالثاً) أن أي تنظيم يجب أن يعرف فوراً ويسحق من ساعته. لأن خلية سرطانية واحدة كافية لتدمير بدن عظيم مكون من 70 مليون مليون خلية. ولذا فمن يفكر بأن يقوم بإنشاء تنظيم تحت مظلة نظام شمولي يكون واحداً من ثلاثة: إما مغفل مسكين. أو أفاّك أثيم. أو عميل للسلطة تظاهر بالتقوى كما فعل القرد الذي التهم جبنة القطين المتخاصمين.

إن الأنظمة الشمولية سرطان خبيث والسرطان لا يرحم. وهو يعرف المخاضة التي خاضها حتى حظي بالعرش. ومن ينازعه العرش يجب أن ينزع منه الروح. كما كان يقول ماوتسي تونغ عندما كان يصفي بقايا الكومنتانغ إلى درجة القرابة سبعة. إنها مسألة حياة وموت.

ولكن المشكلة في الجدل الإنساني أن الحياة أقوى من الموت لأنها تستمد قوتها من الحي الذي لا يموت. بل إن الموت موظف في خدمة الحياة. فالموت يكنس الجبارين والضعفاء ويخرج من رحم الأرض نسلاً أكثر وعياً وأقرب رحماً.

والجدل الإنساني ثانياً محير فهو يتمرد على كل القيود ويجد متعة في المغامرة ومن يخوض غمار هذه المقحمة هم الشباب بالدرجة الأولى فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئه أن يفتنهم وإن فرعون لعالٍ في الأرض وإنه لمن المسرفين.

والجدل الإنساني ثالثاً يشق طريقه مثل الماء فيتصدع الحجر وإن من الحجارة لما يتشقق من خشية الله وما الله بغافل عما تعلمون.

إن النظام الشمولي يخلق بيديه من يقتله وينهي وجوده من حيث لا يشعر. فالكون مبني بالعدل والحق ويمضي إلى غاية محددة ومصير مرسوم. وقل جاء الحق وما يبدي الباطل وما يعيد. ولكن من هو الحق ومن هو الباطل؟

ومن هنا يتمرد الشباب ويهديهم فكرهم إلى تشكيل نشاطات لا يستطيع النظام الشمولي أن يدمرها ولكن كيف؟

يحرص النظام الشمولي أن يكون أي نشاط مبلوراً مرئياً وأن يكون مخترقاً متصلاً بمشعرات وكواشف ضوئية عصبية يشم ويحس خطوة هذا الكائن الغريب في مملكته التي لا تعرف غيره. وأفضل مقتل لهذه التنظيمات الوقحة الجريئة التي غامرت بطيش لتوجد في مملكة شيدت طرقها باتجاه واحد أن يضطرها للاختباء فتكون سرية تحت الأرض ومسلحة فيضبطها مرتين باللاشرعية والعمل الإرهابي. ولذا يجب أن تكون التنظيمات علنية فوق الأرض وغير مسلحة وسلمية وفكرية تعتمد (الإقناع) وليس (الإكراه) وعندما يحل الإكراه محل الإكراه بعمل السيف لن تتغير الأوضاع وهو الحاصل في العالم العربي منذ سيف معاوية وحجاج يزيد. وأن لا تأخذ أي شكل مبلّور. ومهما طوح النظام بذراعه أو سيفه فلن يصطاد إلا الهواء طالما كانت ذات بنية هلامية.

إن الأنظمة الشمولية تسمح بوجود ديكورات سياسية في عالم منفتح على بعض ينتقل فيه الخبر والصورة بسرعة الضوء. أما التنظيمات الفعلية ذات النشاط المستقل فلا مرحباً بهم إنهم صالو أقبية المخابرات.

وإذا كان التنظيم هلامياً فيجب أن يأخذ صفات هذا الكائن فيزيائياً من الانحلال والتكون والتمطط والتقلص في أي شكل. فلا يوجد فيه رأس وذنب ورئيس ومرؤوس. ولا يشبه تنظيمات الدنيا كلها فلا اشتراكات مالية ولا اجتماعات دورية ولا مجلة فصلية ولا خلايا حزبية. ولا قائد وعضو.

إن الموت قادم للأنظمة الشمولية بحسب القانون الثاني في الديناميكا الحرارية فالكون يتشيخ والأنظمة تمرض والبناء يتآكل والعضوية تتفسخ وكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. والسؤال متى هو قل عسى أن يكون قريباً. يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً

إقرأ أيضا لـ "خالص جلبي"

العدد 3212 - الخميس 23 يونيو 2011م الموافق 21 رجب 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً