العدد 1343 - الأربعاء 10 مايو 2006م الموافق 11 ربيع الثاني 1427هـ

الطين ولفح النفخ

جعفر الجمري jaffar.aljamri [at] alwasatnews.com

-

مثل الغجر المصهورين برحيل دائم هو الطين، فيما رحيله يتحدد في انتظار أنامل تنتشله من حبس تكوّنه إلى حرية تشكّله.

في درس الطين، يكتشف الواحد منا قدرات مغيّبة... لا علاقة لها بتصيير الخام، ثمة دفاع ضروري عن التنوع... دفاع يتوخى تجاوز التكرار في الصنعة، ليس على مستوى الشكل، بل على مستوى خيارات الروح في ذلك الشكل.

أفهم الطين في العمق من أصل الخامات... أفهمه استدراجاً لنفخ ما... نفخ روح الخالق فيه، أو نفخ روح المبدع. ولكن لن تسلم من عيّنات طين تترصدك لأنك تجرأت فخرجت على نظام الخام... خرجت قبل أن يمسّك لفح النفخ.

للطين قبل تشكله روح مخبوءة، ولكنها مع درس التشكل تزدهي الروح تلك بحال من التباهي. صفقة عادلة أن يلتزم الطين حياداً ما قبل التشكل... صفقة أكثر عدالة حين يلتزم الطين بانحياز ما بعد التشكل.

كثيراً ما نزدري الطين... كأنه حصة للهو والتصيير... نتقمص صفة الخالق في لحظة ما حين لا تخوننا الموهبة، ونتيقن أننا قادرون على خلق بحجم إمكاناتنا: أشكال تشع بالروح، ولكنها في النهاية، من دون روح. لأننا في النهاية طين تم تصييره بروح، لا فرق إن كانت معذبة أو سابحة في رفاهية أو لهو خارج السيطرة!

عودة إلى الخام... خام المادة وخام التصيير... ما الذي يوحي به؟ إن ثمة استدراجاً لاستكشاف امكانات النوع البشري في استنطاق الجامد... ليس بمنحه الشكل، بل في قدرته على أن يقرن ذلك الشكل بسطوة الروح. بمعنى آخر، أن يحيل الموت إلى احتجاج ناصع.

مع الطين، تقفز صفة الوحل! وفي ذلك خلل في قراءة الخامات وقرائنها. الوحل صفة أخرى. لا علاقة للوحل بالخام. الوحل تمازج كاذب... تمازج لا يخلو من مصالح... الوحل حال من التسلق المشلول، ولو قدّر له أن يرتفع لتهدد النوع البشري... تهدد أصله... تهدد الطين. والطين جلوة، ورجاء، وإصرار على التشكل. الوحل فوضى، فيما الطين نظام نبيل، له مستقبل في فوضى التشكل.

لا يحتاج الطين إلى مجاملة من أي نوع. يكفي أن النوع البشري مازال يتنفس بعد ملايين الأعوام من النظر إليه على أنه بلا رئة.

للطين أقاليمه... للتشكل أقانيمه... للطين صفة الأسرار... وفي تكوينه صفة الفضيحة... للطين غفوة أبدية، ما لم تمتد إليه يد ترتب انتباهته الفارقة

إقرأ أيضا لـ "جعفر الجمري"

العدد 1343 - الأربعاء 10 مايو 2006م الموافق 11 ربيع الثاني 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً