العدد 3486 - الجمعة 23 مارس 2012م الموافق 30 ربيع الثاني 1433هـ

هل للمذيعين محاكمة كالطغاة؟!

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

تنشغل الثورات كثيرًا بمحاسبة الطغاة. ربما يكون السبب في ذلك، هو نمط الحكم الشمولي، الذي يجعل من النظام هو الحاكم، والحاكم هو النظام، فتصبح صورة الدولة كلها فرد، فيتولد الحنق على الدولة وحاكمها معًا، دون أن يرى الناس شيئًا آخر. لكن (وفي الـ لكن جوهر القول) هناك أفراد على حواف تلك الدولة، لا يقل جرْمهم عن جرائم الحاكم المطلق والمستبد، لذلك فهم يستحقون ذات المحاسبة القانونية والإدانة. إنهم المذيعون من وراء المايكروفونات، وأصحاب البرامج الإذاعية عبر الأثير.

نعم... لقد خَدَمَت ألسنتهم طغاة كثيرين، كان طغيانهم لا يحتاج إلى إثبات ولا إلى دليل، بسبب السلوك السياسي والأمني والعنصري العنيف، الذي مارسوه ضد شعوبهم، أو أجزاء منها. تسويغ، وتوهين، وتسفيه وتحريض ضد الشعوب، أو ضد جماعات سياسية واجتماعية، وضد طوائف وأقوام، أو ضد مَنْ يُمثلها من زعامات، لها قدرٌ كبيرٌ من التقدير والكاريزما في مجتمعاتها. هؤلاء المذيعون قدَّموا أكثر الأشياء دفعًا باتجاه التباغض، وإشاعة الكراهية، وتثوير الغرائز لدى الناس ضد بعضها، بغية رميهم في التقاتل. إنهم حقًاً مجرمون.

قبل شهرين تقريبًا، أكَّد قضاة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي التهم الموجهة إلى أربعة كينيين، هم: نائب رئيس الوزراء أوهورو كينياتا، ووزير التعليم العالي السابق وليام روتو، ووزير المالية فرانسيس موثاورا، وأخيرًا والأهم هو للمذيع الكيني المعروف جوشوا أراب سانغ، حيث وجِّهَت لهم تهم «ارتكاب جرائم ضد الإنسانية» بعيد الانتخابات الكينية المتنازع عليها، والتي جرت في العام 2007 وما تبعها لغاية العام 2008 والتي رافقتها أعمال عنف دموية، راح ضحيتها أكثر من 1200 قتيل، و300 ألف مُهجَّر، والقيام بأعمال أخرى غير إنسانية.

لقد ساوَت المحكمة بين هؤلاء السياسيين المجرَّمِيْن، وبين هذا المذيع، في المسئولية القانونية، وفي الإدانة بـ «المشاركة بشكل غير مباشر في جرائم قتل، وترحيل سكان قسرًا، والاغتصاب والاضطهاد وأعمال غير إنسانية» والتي نطقتها قاضية المحكمة الدولية ايكاتيرينا تريندافيلوفا. فدور سانغ كان مُنصبًّا على التجريح، والتحريض، والتهكُّم من شخصيات اجتماعية، وطوائف وأقوام أو ممن ممثليها، ومباركة أعمال القتل والاعتقال، فتلك الأعمال، هي بمثابة العجلة السيَّارة، التي تقوم بها آلة القتل والتنكيل، وإن جاءت على شكل «كلمات».

الموضوع جِدّ خطير كما رأته المحكمة. فالقضية متعلقة بميزان إنساني حساس جدًا، يتعلق بمصير واستقرار شعب كامل. فعندما تعصف الأزمات السياسية بالبلدان، ويبدأ الحكم أو مراكز القوى فيه، والتي تملك هامش القوة، بالتعامل مع هذه الأزمات بطريقة أمنية متهورة، يفوح الدم المسفوح، وتسمَع آهات الجرحى والسجناء والمهجَّرين والمنتهكة حقوقهم الإنسانية، فيُنكَب الناس أيما نكبة، كما يجري اليوم في سورية.

وعندما يكون المشهد بهذه الطريقة التراجيدية المفجعة، ثم يأتي الإعلام والمذيعون، ليتعاملوا مع هذا المشهد المأساوي برصاص الكلمة، والرقص على الجراح، والتهكم والازدراء، في الوقت الذي يعاني فيه أولئك الضحايا ما يعانون، فإن ذلك لا يقل عن جرم بيِّن. فهو وبالإضافة إلى شراكته مع جريمة القتل، فإن ذلك السلوك يُوقِد جمرًا تحت رماد المجتمعات، ويُوثب البشر نحو الانتقام المؤجل من بعضهم، وبالتالي فإن الحال يقتضي أن يُساوَى أولئك المذيعون، مع زعماء السياسة والأمن، الذين يُحملهم القانون مسئولية الانتهاكات والجرائم المرتكبة.

في السابق، ساوَى القانون الدولي، بين الجرائم التي ارتكبها الزعيم النازي أدولف هتلر، الذي أشعل الحرب العالمية الثانية، وبين وزير دعايته جوزيف غوبلز. وعندما كان يذكر التحريض على بولندا، وعلى الأقليات اليهودية، والنيل من الروس، وعلى الأغيار في الداخل الألماني، كان يُنظر للرجل، على أنه أحد آلة القتل النازية الرهيبة والتضليلية. في الجانب الآخر من القارة، كان الزعيم الفاشي الإيطالي بينيتو موسوليني والذي كان مُحرِّرًا لصحيفة «أفتاب» الإيطالية، قد تمثل هو الآخر في شكل مُحرِّض على دعاة السلام، وعلى القوى الإيطالية الديمقراطية التي كانت تعارض دخول إيطاليا الحرب، وكان مُجَندًا حينها من قِبَل البريطانيين.

الشعوب والجماعات ليس لها الحق المجرّد في الحياة فقط، وإنما لها حق الحياة مع حفظ الكرامة والسُّمعة، وصونها من الإهانة، وعدم التعريض بها علنًا. فالشعوب والجماعات، لها الحق في أن يُنظر لها باحترام، وأن لا تصَنَّف على أنها بمراتب مختلفة، فينظر لليهود على أنهم أدنى البشر بالمفهوم النازي، ويُخوَّن الأرمن بتهمة العمالة للروس، ولحنينهم لشركسيا. هذه عنصرية مشهودة، جرَّمتها القوانين السماوية والأرضية، وبالتالي كلّ مخالف لها، هو يخالف ما تسَالَمت عليه البشرية، وسليقتها الطبيعية، في النظر إلى الأشياء بشكل سوي.

هذه الأمور أخفق الإعلام العربي الرسمي، في أن يمنعها من أن لا تجري على أثير برامجه. أتذكر، وخلال ثورة 17 فبراير في بنغازي، كيف كانت المذيعة الليبية هالة المصراتي ومعها خالد تنتوش يتكلمون بكلام نابٍ ومُحرِّض على قطاعات مهمَّة من الشعب الليبي، فضلاً عن الأوصاف التي ينعتون بها الثوار ومناطقهم. وقد رأينا كيف كانت ردة الفعل الشعبية عليهما بعد تغيّر موازين القوى، وسقوط نظام العقيد معمر القذافي واعتقالهما. تكرّر ذلك أيضًا في مصر بعيد ثورة 25 يناير، وفي اليمن إبان الحراك الشعبي، واليوم يتكرّر في سورية.

في كل الأحوال، فإن تغيير مثل هذا المسلك، يحتاج إلى سياق ثقافي مكثف، يتعلق بقيم التعايش والاعتراف بالآخر كيفما كان، وإلاَّ أصبحت الأمور تحتاج إلى إعمال القانون بصرامة.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 3486 - الجمعة 23 مارس 2012م الموافق 30 ربيع الثاني 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 16 | 5:11 ص

      لا تنسى يا كاتبنا العزيز

      رؤساء الشركات اللذي كانوا اكثر حقداً و اسرع من استجاب لهذا التحريض ... اظهرت كل ما هو عداء للانسانية و لكن التي يكمن فيها المغزى ان كل هؤلاء لن يفلتوا من الحساب و المعاقبة و من سيثبت انه ليس ببحريني الاصل سوف يرحّل الى موطنه الاصل و سترى و سيرى العالم كل ذلك و اتمنى الا يكون هناك من ينطق انه هذا مناف للانسانية فهذ اقل ما نستطيع فعله

    • زائر 15 | 4:40 ص

      نموذج

      المذيعة الليبية هالة المصراتي ومعها خالد تنتوش يتكلمون بكلام نابٍ ومُحرِّض على قطاعات مهمَّة من الشعب

    • زائر 14 | 4:31 ص

      عندنا منهم خير كثير .سنابسيون.

      عندنا ممن ذكرت ما شاء الله ولو كان في قانون يحاسبهم لما وصلوا وواصلوا ما يفعلونه ولكن يا عزيزي من امن العقوبه ساء الادب هذا هو لب الموضوع

    • زائر 13 | 3:29 ص

      ما شاهدناه فيه الكفايه

      والله إن ماشاهدناه وسمعناه في فترة الربيع العربي 2011 م ـــ من مواضيع ونقاشات ومقابلات وبرامج إسبوعية وعلى الهواء مباشرة من الاذاعة والتلفزيون من كثير من المحطات فيه ما لا يحصى من التجاوزات على الاشخاص على الدين على الوطن على العقائد ولا ادري من وين جيئ بمثل هئلاء المذيعين .

      وما كيد الظالمين والحاقدين الاقصير وضعيفا

    • زائر 11 | 2:53 ص

      ما حكم القانون في ...؟؟

      في من يتعرض في مقاله الصحفي الى أشخاص بالاسم ومن يتعرض في برنامجه التلفزيوني لاشخاص بالاسم ؟؟

      اليس للقانون من سلطان عليهم ؟

      ومن يكرر هذا الفعل يؤكد اصراره ويجب محاسبته

    • زائر 10 | 2:45 ص

      مقال يستحق القراءة

      هذه المقالات التي تستحق القراءة

      وليت من يعنيهم الأمر هم أوائل القراء

      شركاء الظالم كثر منهم من يستخدم قلمه ومنهم من يستخدم لسانه ومنهم من يستخدم يده ومنهم من يستخدم فكره ومنهم من يستخدم ماله وفي الاخير هم شركاء فيما قالوا وفعلوا وارتكبوا

      وكما قيل الغرم بالغنم

    • زائر 8 | 1:30 ص

      نعم يبوعبدالله

      سابقا لم يكن هناك متر على لسان المذيعين يحسب عليهم غلطاتهم وهفواتهم ولاكن الحال غير ياتي يوم وتشهد عليهم برامجهم الموثقه وحساباتهم البنكيه وميزات حصلوا عليها نظير الاسائه لشخصيات لايرقى فيها المذيع الى القيمه العلميه والاخلاقيه لشسع من نعال بالي لتلك الشخصيه . مذيع اخر يخرج على الناس مطالبا رحيلهم لدول اتى اباه وامه منها غريب اعطي اباه الجواز البحرين لمشاركته في احدى الفعاليات الرياضيه ويهاجم من هم أاصل من جد جده غريبه من الاجدر به ان يعود لتلك الدول هو او من لم يعرف غير البحرين وطن.ديهي حر

    • زائر 6 | 1:05 ص

      ونحن؟

      نحن ليس عندنا مذيعون هكذا، ولا صحافيون ولا كتاب ولا شعراء ولا خطباء ولا خبراء ولا تجار ولا شيوخ ولا ولا ولا ولا حتى ينقطع النفس

    • زائر 4 | 12:41 ص

      مقال مهم

      احسنت على هذا المقال المهم

    • زائر 1 | 11:35 م

      إعلام بشار الأسد

      بصراحة انا شفت إعلام سيء لكن مثل إعلام بشار الأسد وقنواته شي مستفز وغريب ويتهم مسلمين، فيه اسوء منه لكن الرجل قتل مئة الف اعتقد عدد كبير!

اقرأ ايضاً