العدد 3505 - الأربعاء 11 أبريل 2012م الموافق 20 جمادى الأولى 1433هـ

بين من يُمثِّلك ومن يُمثِّل عليك

جعفر الجمري jaffar.aljamri [at] alwasatnews.com

-

لم يغال الممثل والرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان حين اعترف: «أنا لا أعرف كيف يمكن أن تكون رئيساً دون أن تكون قد مارست التمثيل من قبل؟». أعلم أنها مساحة شائكٌ الخوض فيها. شائك في جغرافية يراد لها أن تسوّق الوهْم. وهْم أنّ كل شيء على ما يرام. أنّ الأوطان بخير والحريات بخير والخيارات بخير وحقك مصون وإرادتك مستثمرة بما ينفع الحرث والنسل، وأنّ الأسبقية في كل شيء لدولنا؛ بدءاً بحقوق الإنسان وليس انتهاء بإلغاء بند من وعينا: صوت المرأة عورة! لكن كم من الرجال أصواتهم تتجاوز العورة؟ كم حجم مساحة التمثيل في هذا المسرح المفتوح على العبث؟ هل يمكن لدابّة أن تقتنع بأن الأداء المحاصِر للحاضر الذي هو أقلّ درجة وتخلفاً من الماضي، لا يعدو كونه درجة رديئة من التمثيل الذي لا يقدّم قيمة ولا يقدّم أداء أساساً؟ في الأثر، «قابيل أوَّل من يساق إلى النار». قال تعالى: «ربنا أرنا اللذيْن أضلانا من الجن والإنس» (فصلت: 29) وهما إبليس وقابيل. لكن كم من إبليس في السياسة اليوم؟ كم من قابيل في السياسة أيضاً وحتى موظف ارشيف أو بوّاب على مكتب مسئول؟ القتل ليس بالضرورة أن ينتج عنه دم وجنازة ومراسم عزاء. الغواية ليس بالضرورة أن تكون بفعل خنّاس لا يُرى. كل طينة رخوة سائلة يمكن تشكيلها وتوجيهها واستغلالها باعتبارها خنّاساً وباعتبارها أكثر من مشروع قابيل.

الدائرة تتسع أحياناً، تضيق أحياناً أخرى؛ لكن اتساعها هو الأرجح والأعمّ؛ من حيث الأداء من حولنا، ومن حيث نظرنا وتعاطينا مع ما/من حولنا. لا يخلو الأمر من خديعة. لا يخلو من تواطؤ. ذلك ينسحب في الدرجة الأولى وبصور وشواهد فاقعة في نماذجها، عبر دول ومنظومات مازالت تُوهم شعوبها بأنها لم تفطم بعد عن الغفلة وطفولتها المؤبَّدة. لم تفطم بعد عن تبعيّتها وقصور وعيها وإدراكها وخيارها. ذلك ضرب من التمثيل الرديء. تمثيل من جُمّدتْ إرادته وسيق سوقاً إلى أكثر من تجهيل وتغييب.

وإذا سلمْنا من الذين نصحو من عمانا المؤقت بعد ولادتنا وانضمامنا إلى رعايا هذا العالم وهم يمثلون مصائرنا وأحلامنا المفترضة التي نكتشف أنها كوابيس وشواهد من عدم وبؤس؛ لن نسْلم من الذين يتسلقون على آلامنا عبر صندوق انتخابي هو بمثابة فخ يستدرج سذاجتنا وغفلتنا ويأسنا من الأسوأ فنجد في السيئ ملاذاً ومأوى أخيراً ونموذجياً. تسلق الذين نصحو عليهم وقد مثلوا إرادتنا، يشرّعون ويشرّحون ويتنابزون بألقاب وجودنا النموذج في البؤس؛ فيما هم بمنأى عن واقع يتراكم تراجعاً من حولنا ارتباطاً بأبسط الحقوق والمسلّمات.

ثم إن الفارق يبرز بين من يمثلك وبين من «يمثل عليك» أو يمارس التمثيل عليك في الأداء على الأرض في تفاصيل ربما تبدو غير ذات أهمية في سلوكك في الشارع، وفي تدني ضغوطاتك النفسية، وفي مزاجك اليومي المعتدل أو المهلهل. حتى نضارة بشَرتك وكمية الهواء الذي يمكن لرئتك أن تستوعبه.

وفي سلوكك في البيت بدءاً بغرفة النوم وليس انتهاء ببيت الراحة. نعم كل ذلك ينعكس عليك في أداء من يمثل عليك وبين من يمثلك. درجة وعيك وقيمتك هي التي تحدّد الطارد من قبلك لأي منهما والمحتوي لأي منهما أيضاً. العسكر والساسة وحتى الذين هم طارئون على العمل السياسي ولا علاقة لهم به من قريب أو بعيد، في اللب من «التمثيل».

هم الأكثر كفاءة وقدرة على أداء ذلك الدور. الأكثر قدرة على استدعاء وتوهّم المخاطر والتهديدات في أوجهها التي تبعث على الشفقة في كثير من الأحيان؛ وخصوصاً مع علوّ أصوات ومطالبات لا تتجاوز كل ذلك مادامت تلتمس حقها في حياة لا تعاني مع حَوَل أو عَوَر. يحدث كل ذلك بفعل منبّهات مصطنعة؛ تلك المنبهات مصدرها الداخل دائماً.

لا أدري، كيف لدول أن تقوم وتتطاول وتتمدّد وتتقدّم وتبرز وتستعرض بياناتها ومؤشراتها الاقتصادية ومعدّل نموها ربع السنوي ومحور تأثيرها على أكثر من صعيد، وتستطيع أن تحقق ذلك فيما هي مهدّدة في وجودها من الداخل؟!

القلق والاضطراب والتهديد لا يُدخل فلساً في خزينة؛ إلا إذا أُريد اصطناع واختلاق وتحويل الوطن إلى منصة استعراض وتمثيل لخطر وتهديد لا وجود له أساساً. فقط في رؤوس ونوايا الذين يريدون للخلل أن يبقى على ما هو عليه. والتمثيل الرديء؛ بل في أسوأ رداءته يقودنا إلى تشخيص ومفهوم كونفوشيوس: «في ظل حكومة فاضلة الفقر عار، وفي ظل حكومة سيئة الغنى هو العار».

الخلاصة: كلما كان الإنسان في معزل عن مؤهلات تمثيله للناس وقضاياهم، وأيضاً كلما تضخّمت الذات لديه ووجد فيها أول ونهاية العالم، وكذلك كلما استطاع تسويق الوهْم في أوساط تعاني أكثر من شرخ وإشكال وورطة؛ وخصوصاً في حصْر الخيار بين السيئ والأسوأ؛ كلما كانت ورقة تمثيل قضاياهم وملفاتهم ومشكلاتهم ضرباً من ورقة أداء دور «التمثيل» إياه، بمعنى ارتجال الأدوار وأدائها؛ تماماً كما يحدث على الشاشة؛ إذ الانفعالات مصطنعة، والبكاء مصطنع، وبروز الأوداج مصطنع. المهم بالنسبة إلى جمهور ذلك «الممثل» ألا يموت البطل مع نهاية الفيلم!

إقرأ أيضا لـ "جعفر الجمري"

العدد 3505 - الأربعاء 11 أبريل 2012م الموافق 20 جمادى الأولى 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 6:33 ص

      الخلاصة:

      قابيل أوَّل من يساق إلى النار - ابدءاً بحقوق الانسان للوصول للجنة - لا تبيع الوهم للناس .

اقرأ ايضاً