العدد 3610 - الأربعاء 25 يوليو 2012م الموافق 06 رمضان 1433هـ

تحديات النزوح من مناطق القتال في دمشق تؤجج الوضع السوري

أدى القتال في العاصمة السورية دمشق إلى تفاقم مشكلة النزوح المتنامية داخل سورية، حيث يقدّر الهلال الأحمر العربي السوري أن 1.5 مليون شخص قد نزحوا فى جميع أنحاء البلاد. ففرّ آلاف الأشخاص من منازلهم في العاصمة هذا الأسبوع بعد دخول المتمردين الذين يقاتلون الحكومة في معارك متواصلة في بعض أحياء دمشق للمرة الأولى خلال 16 شهراً من الصراع.

وقال هازريد، وهو ناشط ومهندس كمبيوتر من وسط دمشق، فر إلى منطقة ريفية تقع شمال العاصمة عندما تصاعد القتال في 19 يوليو/ تموز: «كان من الواضح أننا إذا بقينا لفترة أطول، قد لا تتاح لنا فرصة أخرى للرحيل. وعندما رحلت كانت الأمور قد بدأت تصبح خطيرة بالفعل، لا سيما على طرق الخروج من المدينة. فالفوضى تعمّ المكان، والشوارع كانت مليئة بالناس الذين يحاولون الفرار من المدينة. ورأينا سيارات محترقة على الطريق، كما رأينا دبابة وحافلة وأربع سيارات مدمرة بالكامل».

وكان الهلال الأحمر العربي السوري قد افتتح في 19 يوليو 18 ملجأً في مناطق أكثر أمناً في مدينة دمشق والمناطق المحيطة بها، وقد وصل بالفعل «بضعة آلاف» من الناس إلى تلك المراكز، كما أفاد خالد عرقسوسي، رئيس عمليات الهلال الأحمر العربي السوري، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين). هذا وتقيم أعداد أكبر من النازحين مع الأصدقاء والأقارب، وفقاً لعمال الإغاثة، أما أولئك الذين لديهم المقدرة والموارد الكافية، فقد فروا من البلاد. ووفقاً لمفوضية الأمم المتحدة السامية لشئون اللاجئين، تشير التقديرات إلى أن 18,000 شخص عبروا الحدود إلى لبنان في غضون يومين في الأسبوع الفائت.

من جهة أخرى، قال طارق، وهو محام شاب من وسط دمشق، أنه لم يرحل على الرغم من عدم شعوره بالأمان، لأنه ليس لديه أي مكان آخر يذهب إليه. وأضاف في حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية أن «معظم الناس الذين نراهم في الشوارع هم من مدن مثل حمص أو حماه أو درعا. فهم يحاولون الخروج من المدينة لأنهم يعتقدون أن أي مكان أفضل من دمشق الآن. ويمكنك أن ترى الحزن على وجوههم، فهم يقفون خارج المنازل في انتظار رحمة الله».

وتجدر الإشارة إلى أن الآثار الإنسانية لهذه الأزمة قد تخرج عن نطاق السيطرة قريباً إذا استمر القتال في العاصمة. فقد حذّر عرقسوسي من أنه «إذا أتى عدد كبير من الناس إلى الملاجئ، لن يستطيع أحد أن يتكيّف مع هذه الأوضاع». وأضاف عرقسوسي أن الهلال الأحمر العربي السوري، بصفته وكالة الإغاثة الرئيسية على الأرض، والتي يجب من خلالها تقديم جميع المساعدات الإنسانية، تمكّن فقط من الوصول إلى ما بين 900,000 و950,000 شخص، أي أقل من ثلثي النازحين. وتشير تقديرات الهلال الأحمر العربي السوري إلى تضرر نحو 2.5 مليون شخص آخرين بسبب الصراع «ونحن حتى لم (نصل إليهم) بعد».


التحديات التي تواجه الاستجابة

يلقي عرقسوسي باللوم على نقص التمويل الذي أدى إلى هذه الفجوة، قائلاً: «هناك اهتمام كبير مسلط على سورية، ولكن من وجهة النظر الإنسانية، لا أحد يقوم حقاً بوضع يده في جيبه وإخراج الأموال لتنفيذ وعوده». وأضاف أن الجهات المانحة لا تزال مترددة في دعم عمل الهلال الأحمر العربي السوري داخل سورية، وتقوم بدلاً من ذلك بدعم اللاجئين في الدول المحيطة، حيث الأوضاع أقل سوءاً.

وفي حين وافق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية (أوتشا) على أن المزيد من التمويل مطلوب «بشكل عاجل»، فهو لم يتلق سوى خُمس قيمة النداء الذي وجهه لجمع مبلغ 180 مليون دولار أميركي. وفي السياق نفسه، يقول عمال الإغاثة إن القدرة التشغيلية تمثل مشكلة أخرى. ففي النبك مثلاً، حيث أدى تدفق النازحين إلى مضاعفة عدد السكان تقريباً إلى 80,000 نسمة، كان الفرع المحلي من الهلال الأحمر العربي السوري «غير مستعد على الإطلاق لمواجهة مثل هذه الأعداد»، حسبما ذكر بول سترومبرغ، نائب ممثل المفوضية السامية لشئون اللاجئين في سورية، الذي أضاف «إنها حقاً مسألة قدرة». وأكد سترومبرغ أن المفوضية وغيرها من المنظمات تحاول دعم الهلال الأحمر العربي السوري بموظفين إضافيين، وأماكن للتخزين، وأجهزة الكمبيوتر لتسجيل النازحين، وتقنيات التوزيع والمساعدة على توزيع مواد الإغاثة.

الجدير ذكره أن الحكومة السورية، وبعد أشهر عدة من المفاوضات، وافقت في شهر يونيو/ حزيران الماضي على السماح لبعض الوكالات التابعة للأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية والمنظمات المجتمعية المحلية المختارة بالمشاركة في خطة الاستجابة الإنسانية، ولكن عمليات توزيع مواد الإغاثة بدأت ببطء في العديد من الحالات. كذلك، يُعتبر الأمن عائقاً أيضاً. فقال سترومبرغ: «إن الإعداد للعمل في بعض من هذه الأماكن يشكل خطراً كبيراً بالفعل».

هذا وقد استوردت وكالات الأمم المتحدة سيارات مدرعة إلى سورية لمساعدتها في التحرك بأمان، ولكن حتى الآن، لم يتمكن الهلال الأحمر العربي السوري من الوصول إلى بلدة حمص القديمة، على سبيل المثال.


النزوح الثانوي

أصبح المستويان الثاني والثالث من النزوح مشكلة متزايدة، لا سيما وأن الصراع يطارد بعض الناس في مناطق لجوئهم. فمن بين الأشخاص الذين نزحوا بسبب القتال الأخير في قدسيا ودمر في ريف دمشق، هناك بعض النازحين من محافظات أخرى كانوا قد لجأوا إلى هاتين البلدتين، وفقاً لنشرة مكتب تنسيق الشئون الإنسانية الصادرة في 5 يوليو.

كما اضطر الهلال الأحمر العربي السوري خلال الأسبوع الماضي إلى إخلاء بعض الملاجئ التابعة له، ونقل النازحين إلى مناطق أخرى. وفي هذا السياق، يشجع الهلال الأحمر العربي السوري الناس الذين كانوا قد فروا إلى العاصمة في وقت سابق من الصراع على العودة إلى مناطقهم الأصلية، إذا كان ذلك آمناً، «لأن كل المعمعة تحصل الآن في دمشق». وقد بدأ العديد منهم بالعودة بالفعل. فذكر نشطاء في مدينة حمص مساء أمس أن أربع حافلات محملة بالسكان المحليين النازحين قد أعادتهم إلى المدينة.

ولكن مثل هذه العودة ليست دائماً ممكنة، وليس فقط بسبب استمرار العنف. فأكد سترومبرغ، نائب ممثل المفوضية السامية لشئون اللاجئين في حديثه إلى شبكة الأنباء الإنسانية أن «منازل الكثير من الناس قد تضررت». وأضاف أنه «بالإضافة إلى التأثير النفسي، هناك إمكانية العودة إلى مكان فيه مياه جارية وكهرباء، حيث يمكنهم العثور على الضروريات الأساسية». ولكن عودة النازحين تؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية في مدن مثل حمص، حيث يوجد بالفعل نقص كبير في المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية.

وقال «وليد»، وهو ناشط في حمص، لشبكة الأنباء الإنسانية: «لقد تعرّضت حمص للقصف في البداية، والآن تتعرض دمشق للقصف،» مضيفاً «أنا متأكد من أننا سنستقبل الكثير من الناس في الأيام القليلة المقبلة. فلم يعد هناك مكان آمن في سورية». ولكنه أشار إلى أن الكثير من الناس يلجأون إلى المنازل التي دمرها القصف الشديد. وأضاف «إننا الآن نعدّ الملاجئ التي نستطيع أن نجعلهم يسكنون فيها، بما في ذلك المدارس والكنائس والمساجد».


التوتر

يشكل النزوح ضغطاً على الموارد المحلية والبنية التحتية، نظراً لتضاعف عدد سكان العديد من البلدات التي لجأ إليها النازحون. وحذر مكتب تنسيق الشئون الإنسانية في نشرته الصادرة في 5 يوليو من أنه «مع تزايد النزوح وتضاؤل الموارد، يتزايد التوتر بين النازحين والمجتمعات المضيفة.» وقال عرقسوسي، نائب مدير الهلال الأحمر العربي السوري إنه يتوقع أن يكون ارتفاع في وتيرة العنف في دمشق مؤقتاً. وأضاف أن الكثير من العائلات قامت بتكديس المواد الغذائية في منازلها تحسباً لوقوع مثل هذا الأمر. ولكن السكان يقولون إن المواد الغذائية المعروضة تتناقص بسرعة في دمشق، حيث كانت مخزونات المحال التجارية لا تزال جيدة نسبياً إلى حين اندلاع القتال.

«قد تجد المخابز والأفران التي تبيع الخبز، ولكن أعداداً كبيرة من الناس يحتشدون أمامها،» كما قال طارق، المحامي الشاب، مضيفاً أن «الناس خائفون ولا أحد يعرف ما سيحدث، لذلك بدأ الجميع تخزين الخبز في المنازل».


متاعب على المدى الطويل

قد يأتي المستقبل بالمزيد من المشاكل. فقد اتخذ العديد من النازحين ملاذاً في عشرات المدارس في جميع أرجاء البلاد، وقد يتحتم نقلهم إلى أماكن أخرى عندما يبدأ العام الدراسي في شهر سبتمبر المقبل. وأكد سترومبرغ، نائب ممثل المفوضية السامية لشئون اللاجئين في سورية أن «هناك مخاوف ملحة للغاية بشأن الشهر أو الشهرين المقبلين».

وعلى مدار هذا الأسبوع الذي شهد أحداث عنف في دمشق، قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتوفير الفرش والمستلزمات المنزلية لتسكين أشخاص بحاجة إلى مسكن في خمس مدارس. وفي معرض إجابتها عن سؤال عما سيحدث عندما تبدأ السنة الدراسية، قالت الناطقة باسم الصليب الأحمر، سيسيليا غوين: «إننا نتعامل مع الأحداث يوماً بيوم».

من جانبه، يناقش الهلال الأحمر العربي السوري مع وزارة التربية والتعليم إمكانية إبقاء تلك المدارس مفتوحة للنازحين بعد بدء العام الدراسي، وجمع الطلاب في المدارس المتبقية. وقال عرقسوسي في هذا الصدد: «سيكون علينا أن نتدبر الأمر بطريقة أو بأخرى، ولكن لا يجب أن يكون الحل بوضع الناس في المخيمات».

كذلك، تشعر وكالات الأمم المتحدة هي أيضاً بالقلق إزاء احتمال عدم وجود المياه الصالحة للشرب، وتعطل أعمال مثل جمع القمامة. وأشار سترومبرغ إلى أن «درجة الحرارة الآن في العديد من المناطق تتراوح ما بين 37 و40 درجة مئوية. وإذا لم يتمكن الناس من الاستحمام ولم تتوافر مرافق الصرف الصحي الملائمة، فإن هذا سيتسبب في عدة مشاكل ثانوية نظراً لحرارة الجو».

وقد بدأ بعض عمال الإغاثة بالفعل يحذرون من ضيق الوقت المتاح للتحضير لفصل الشتاء. ولكن، بالنسبة لعرقسوسي، هناك العديد من المخاوف الأكثر إلحاحاً: «عندما نصل إلى هذا الجسر سوف نعبره. إنها حالة أزمة، وأنا لا أستطيع أن أخطط لكل هذه الأمور». ومع ذلك، فقد حذر من أن برامج النهوض - مثل إعادة بناء المنازل وتقديم المشورة للطلاب المصابين بصدمات نفسية - يجب أن تُدرج في جهود الإغاثة، حتى يتمكن النازحون من العودة إلى ديارهم في نهاية المطاف، ويتمكن الأطفال من العودة إلى المدارس.

العدد 3610 - الأربعاء 25 يوليو 2012م الموافق 06 رمضان 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً