العدد 3670 - الأحد 23 سبتمبر 2012م الموافق 07 ذي القعدة 1433هـ

الذين ينتصرون للحياة هم من يصنعها

جعفر الجمري jaffar.aljamri [at] alwasatnews.com

-

كل الذين صنعوا أقدارهم لم يُرتهنوا لآلة ستفرم لحمهم؛ بغضّ النظر عن الآلة التي ستتولّى أمر «وقاحة» أن يطالب شعب أو فرد بحقه!

كل الذين لم يُرتهنوا للخوف صنعوا قيمة الزمن بكل تفاصيله. صنعوا التغيير والمفارقة والطبيعي من الحياة. صنعوا أداة التمرّد ومواجهة الشاذ والعدو لتلك الحياة، وكل من يحاول اختطاف ما ليس له حق فيه.

كل الذين أثّروا وأثروا الحياة لم يستقم أو يقم في قاموسهم ذلك البُعبُع (المستحيل). لو حدث ذلك لكنا اليوم، وأعني البشر في كثافتهم العريضة تُعرض في جادّات نيويورك مروراً بروما وليس انتهاء ببلاد ثروات الصدفة!

كل الذين سهروا على حقهم في الوجود ليس بالمعنى البليد والسخيف والمبْتسر كما تعيش وتتناسل البهائم؛ بل بالدور والاختلاف والإنجاز والإبداع الذي يتحقق عبر ذلك الوجود. الوجود الذي يضيف إليه الإنسان. أولئك هم من يصنع المذهل والمُعجز والباعث على الاقتداء في دنيا الناس.

الذين لم يتورّطوا في الأنانية وإلغاء ما عداهم، والذين لم يصلوا إلى درجة وهْم أن الله جلّ في علاه خلق هذا الكون بكل بسيطه والمعقّد فيه من أجلهم بحيث صُمّم ليتناسب وأحجامهم وأمزجتهم التي تتقلب كل جزء من الثانية، وتم تصميمه كي تتاح لهم فرص أن ينبذوا ويلغوا ويرسلوا المختلفين معهم إلى كواكب لا تهدّد ولا تشكّل خطراً على وجودهم الذي لا شيء يدل عليه أساساً بطبيعة الأداء والنظر على الأرض.

الذين لم ينكفئوا على أنفسهم بحثاً عن السلامة وتجنب مزاج الإرسال إلى الموت الذي بات شائعاً ومألوفاً في هذه الأوطان، هم من يصنعون ويدعمون الحياة بما يكرّس ويعمّق جدواها ومعناها وقيمتها. أولئك هم من يؤكّدون أثر الحاضر المعطّل والمستقبل الذي يُراد اختطافه؛ بل هو مختطف فعلاً.

الذين لا يمتهنون الوشاية ولا يجدون فيها أهمّيتهم، بحيث يُصار إليها سدَّاً لنقص، ومواراة لعُقَد، وطمْراً لفشل وعجز، ويتيقنون أنها (الوشاية) العار في أجْلى صوره، هم من يحفرون جرأة استعادة الأخلاق لدورها المُغيّب، والضمير للانعتاق من إقامته الجبرية!

الذين لم تعنِ لهم الفُرص غير فُرص أن ينتبهوا وينتبه الوطن وقد تجاوز مُفسديه ولصوصه والمنتفعين من فِتَنه، هم من يصنع المُساءلة والاستجوابَ التاريخي والإدانة التي تستند إلى أرشيف من تجاوز وانتهاك ودم هو في الصريح من سفْكه.

الذين يصْطفون المعاني الكبيرة، ويحرسون الماضي في جانبه البهيّ والمضيء، ويلزمون الحاضر رعاية وقفزاً به نحو مستقبل ينشدون ويتطلعون إليه. مستقبل يثقون بإمكاناتهم قبل أن يلِجُوه، هم من يصنع المستقبل بل يتجاوزن ذلك بمراحل.

الذين لا يقبّلون الهواء المستهلك وشبَح الحقوق، ولا يقبلون أن يتحوّلوا إلى كائنات من زئبق لحظة الفصْل ومواجهة كُلَف الخيارات بما تحويه من جنون وعقل؛ أو ما بينهما هم على استعداد لأن يموتوا بعد أن يطمئنوا على الحياة وبشرها وقد انتصروا جميعاً في مواجهة وكلاء الموت على الأرض.

الذين يحتفظون بذاكرتهم في الجميل والقبيح من الصور والمواقف والإجراءات والتجاوزات والعناق والخنق والتحية والطعنة، أولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون إن خذلتهم المراحل؛ أو حتى ممّن كانوا يظنون أنهم من ذوي «القربى» وهم أوْلى بأن يكونوا من ذوي قاطعي «الرقاب» بابتزاز ذويهم وأهليهم ومن كان قصيّاً في الرحم والرزق.

الذين لا يشكّل لهم الخوف إلا امتثالاً لحال طبيعية، ولا يمكن أن تكون مفْصلاً في التحكّم في تلك الطبيعة، ولا يركنون إلى خطاب آلة غبية لا قيمة تدل عليها سوى البطش، هم الذين يصنعون آلة إرادتهم من دون شعور بتوجّس أو ارتياب في الحق ذاك، وفي تلك الآلة، يعيدون صوغ مفاهيم وأقدار وعبث أيضاً؛ بمعنى إرجاعه إلى أصله؛ إن كان له شيء من الأصل أساساً!

كل الذين صقلت العذابات أرواحهم ولم يتصالحوا حتى مع محاولات استدراجهم إلى الزائل والزائف من مؤقت المنافع، هم من يكرّسون المواقف الحقة، وهم من يعيدون للضمائر الغافلة صحوها وانتباهها وفعلها وأثرها.

الذين كانوا هنا، كان لهم نصيب من إرجاع نصاب الحياة إلى وضعه الذي من المفترض أن يكون عليه. أقول كانوا هنا ولمّا يبْرحوا المكان أصلاً. أولئك هم من كانوا في وجه العواصف الطبيعية والمصطنعة في الوقت نفسه. الطبيعية بأدائهم ضمن أداءات تبرز هنا وتختفي هناك. والمصطنعة من قبل الذين لن يهدأ لهم بال ما لم يروا الحياة وقد تحولت إلى محميّة في حرب من قبل من يملك آلة قمعه وقتله وسحقه.

نماذج كأولئك وغيرهم هم من باستطاعتهم إعادة التوازن إلى المختلّ في كل زاوية وشبْر نتحرك فيهما. هم وحدهم الذين يرفدون أرواحنا بماء تحتاجه. ماء الأرواح ألاّ تتورّط في الجدْب والمجدب مهما كانت صوره وعناوينه ومسمّياته.

في نهاية الأمر، صاحب الحق لا ينشد «حشراً» أو يوم «بعث» أرضي كي يُسمع صوته. عليه أن يجأر بصوته من دون التفات إلى الجغرافية التي سيبلغها ذلك الصوت. التوقيت - لاشك - فيه من الأهمية ما لا يُنكر أو يتم تجاوزه. توقيت يذهب في النهاية نحو تكريس حق ذلك الصوت بكل ما يحمله من قائمة استهداف تعرّض له، واستهداف يرمي إلى شطبه من قائمة المنتمين إلى المكان وزمنه أيضاً. ثم إن الذين ينتصرون للحياة هم من يصنعها.

إقرأ أيضا لـ "جعفر الجمري"

العدد 3670 - الأحد 23 سبتمبر 2012م الموافق 07 ذي القعدة 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 7:05 ص

      الجود والوجود من الموجود

      قد لا يكون الوجود غير الموجود الا أنه ثلاثي الأبعاد. مادي ومعنوي ونفسي. فليس للأشياء معناً دون نفسي وليس لها معاً دون مدي بالقيم. فامتداد بلا قيم ، فلا معنى يعني وهذا عبث ولهو ولعب ...
      فالمصيبة اتحدت في ثلاث ظلمات – الجهل، والعرف، و الضلال. وعدم معرفة الانسان أنه لا يعرف مصيبة، وعدم معرفته أنه لا يعرف أنه لا يعرف مصيبتان في واحدة.
      فلما البقاء إذاً لكائن غير موجود فيه انسان يسمع، و يرى ويشعر؟

اقرأ ايضاً