العدد 3771 - الأربعاء 02 يناير 2013م الموافق 19 صفر 1434هـ

أن تنحاز إلى علوِّك... أن تختار النقيض

جعفر الجمري jaffar.aljamri [at] alwasatnews.com

-

كيف تعلو؟ لا تحتاج إلى سُلّم أو مصعد كي تحقق ذلك. سلّمك حُسْن خيارك ووعيك بذلك الخيار. مصعدك إلى العلوّ ألاّ تضعف أمام الوَضَاعة وألاّ تحنّ إليها أو مجرد التفكير فيها.

كيف تكون وضيعاً؟ لا تحتاج إلى حفْرة كي تتساوى معها في المنزلة. خروجك عن سياقك البشري والإنساني وانحرافك عن حسّ الفطرة فيك وضَاعَةُ وضِعَة.

امتلاؤك بما هو أسْمى وأرفع وتحتاج إلى أن ترفع جبهتك لتراه وتميزه: علو. قدرتك على الانتصار من دون أن تُستدرجَ إلى التفاهة والاستفزاز المَرَضي والكمائن الساذجة بنت وقت انفعالها يُدخلك في العلوّ والعلّيين.

إحساسك بأنك ابن الفراغ والتفاهة والتبعية يجعل منك وضيعاً بامتياز؛ إذا كان للوضاعة تصنيف امتياز أساساً!

استعدادك للمحْو والتلصّص والوشاية والتحقير لمجرد الاختلاف وقدرتك على الإفك وملحقاته، وتبرّعك بكل ما يودي بمصائر بشر إلى التهلكة كي تنجو، كل ذلك في الصميم من الوَضَاعة والضِعَة.

أن تتورّط في تصنيف وتمييز مُوجّه تلك هي الوضاعة. أن تتخلّص من رؤيتك إلى البشر، ممن ليس من التهمة أو الجرْم أن يولدوا مختلفين عنك في تفكيرهم وعقائدهم وألوانهم وأمزجتهم، تكون في مكانتك اللائقة من العلو.

أكثر ما يؤكد وضَاعتَك وضِعَتَكَ أن تكون مولى للوضيع وتتلمّس القدوة والطريق والمنهج وأسلوب الحياة التي تتوهّم أنها حياة بهكذا توجّه.

أنت تُحدّد علوّك وفي الوقت نفسه أنت تُحدّد وضَاعَتَك وضِعَتَك. أداؤك على الأرض وبين الناس. أقول الناس الذين لاشك في شراستهم أمام الدفاع عن إنسانيتهم وكرامتهم. لا الناس الذين يطلعون عليك في برامج السهرة والردْح والهذيان في أسوأ وأحطّ صوره وشواهد. الأوّلون هم من أمدّك بصور وشواهد مما يمكن أن تمتثله وتقتدي به، في الحالين، والخيار متروك لك: علوّ ووضاعة.

في تاريخ الدنيا الممتد منذ بدائيته إلى منسوب التقدم الذي نشهده، على رغم واقع الغابة الذي يحكمه، لم يصنع المبهر والاستثنائي والملفت والفارق الذين يعانون من إحساس بانعدام القيمة والاحساس بالتفاهة. صنع التاريخ والمستقبل الذين سهروا على مزيد من العلو الذي كانوا يكتنزون به، لا من أجل تورّم حضور واستعراض ووجاهة. دورهم لا يتحمّل ذلك. سهروا على كل ذلك كي يضمنوا أن يعيشوا في بيئات لا تذكّرهم بالإهانة والوضاعة. لا تشير إلى أي شيء من ذلك. سهروا على علوّهم ورفعتهم كي يحصّنوا أنفسهم من السقوط ومقترحاته ومشاريعه وموازناته وجيوشه وخبرائه وعَسَسه ومروّجيه.

يرفعك الذي ضَمِن عُلوّه. يأخذ بك إلى حيث هو، بما توافر لك من استعداد نفسي وقيمي. الرفعة والعلوّ لا يأتيان هكذا بالجيرة ورفقة السفر أو على وجبة عابرة أو دعوة بالصدفة.

الوضيع فاقد لقيمته ومن العبث والغباء الانخداع بادّعاء قدرته على أن يرفعك من دون سُلّم ومن دون مصعد وهو الكسيح المقعد المشلول العاجز عن أن يرتفع بنفسه ولو بقامة ذرّة.

وبالمناسبة، القلوب اليوم ولأَقُلْ «كثير» من القلوب اليوم هي مناجم من الوضاعة ومختبرات لها. مختبرات لتربية الوضاعة ونموها وامتدادها وتغوّلها أيضاً. لا افتراء ولا تصنّع ولا توهّم في ذلك. دونكم القلوب التي من حولكم تنبيكم بحقيقة الأمر وصفاقة الواقع.

الوضاعة تكون مختبئة في الأماكن التي نظن أنها محصَّنة من ذلك. تكون ممتدّة في الذي لا يخطر لنا على بال أنها مقيمة فيه وعنده. الوضاعة تنمو متى ما تم الترحيب بها في قلوب أو بيوت أو معاهد أو جوامع أو أندية. هي لا تهبط هكذا ولا تجيء من الصدفة. أمكنتنا وقلوبنا وسهونا وقصدنا كل ذلك هو المنبت لها والموطن الذي يوفر لها الدفء والتعهّد بعدم تركها في العراء!

الوضاعة لا تحتاج إلى جهد كي تصلها. من وضاعتها أنها من دون جهد. الجهد الوحيد الذي يمكن أن يُذكر هنا، أن تتحرك في المرء عضلة. أي عضلة ولتكن عضلة الأذن. عضلة التنفس.

العلو جهده جهيد ومرهق. المرهق فيه ليس مباشرة الطريق إليه، على رغم إرهاقه والنَصَب الذي يسبّبه؛ المرهق أن تتطهّر وتعبّد الطريق تلك بمنطق وأداء يصل إلى الروح والقلب قبل أن يصل إلى الأذن.

ليس تشنّجاً أو انفلاتاً أو عصبيّة أو توهّماً أو ادّعاءً أو تجنّياً القول، إن العالم اليوم تتم إدارته ومحكوم بالوضاعة والضِعَة، والعلو والرفْعة في منفى أو حجز إجباري.

باتت الوضاعة سمة غالبة وشعاراً وعلامة تعريف بجزء كبير من حقيقة وواقع العالم من حولنا اليوم. العلوّ والرفعة سببان للتوتر والانشقاق والتمرّد الذي يكاد يسم جزءاً آخر من عالم اليوم أيضاً.

لم يرهق هذا العالم ويدخل في شيخوخته وتراخيه وانكساره وتفاهته وهامشيته إلا بفعل الوضاعة والسقوط. السقوط في أكثر من وحْل يرى بعضهم فيه نهراً عذباً. لم يرهقه العلو والسمو لأنه لم يعرفهما منذ زمن طويل. لا علو ولا رفعة ولا تميّز في شروخ تمتدّ لتعمّق جروح وآلام الإنسان لتجهض آماله وتبتزه في أبسط البسيط في حقه، أن يحيا كما يجب وكما يُراد لهذه الحياة أن تكون باحترامه ووضعه على رأس أولوياتها وأولويات الذين يمسكون بعصب وموارد تلك الحياة. لأنه لا قيمة لها بعيداً عن قيمته ولا سمو ولا علوّ لها بعيداً عن سموه وعلوّه.

العلوّ شحيح يكاد لا يُرى في زمن الحُفَر. حُفَر الخضوع والتزلّف والتبعية والذيول.

لا ينفي ذلك البُقَعَ المضيئة. لا ينفي تزاحماً في بعض بقع العالم على بلوغ علوّ نابع من الفطرة وحوافزها لا من إملاءات هنا وإغراءات أرضية هناك. الإغراء صنو وند العلو. العلو لا يحتاج إلى إغراء. يكفي إغراء أنه علو ورفعة وسمو.

إقرأ أيضا لـ "جعفر الجمري"

العدد 3771 - الأربعاء 02 يناير 2013م الموافق 19 صفر 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 6 | 3:33 ص

      مزبلة التاريخ

      والله ثم والله اني لاشفق على هذه العقول الصدئه صاحبة الافكار والاخلاق المهترئه . والتي لن يكون لها مكان سوى مزابل التاريخ . دمت بخير استاذي _ وبارك الله بهذا القلم الوطني الحر

    • زائر 4 | 2:22 ص

      فعلا وضاعة وفحام

      عصر الوضاعة فعلا والا كيف يصبح رجل أمي لا يفقه القراءة في البرلمان بإزاء جامعي والادهى منه انه الجاهل هو الوجيه والسيد والمتكرم بأفضالة لبحث شؤون وسجون الامة وآلالامها وهو لايحسن شيء من التدبر حتى منطقة وضيع فكيف ينور الوطن وينميه وهو غارق في الظلام .. بل هو فحام قد أمسك بالذر فكيف يصوغه !

    • زائر 2 | 1:20 ص

      الخلق الملائكي هو طريق العلو والخلق الشيطاني طريق الانحطاط

      باختصار فإن مكارم الاخلاق ما جاءت به كل الديانات السماوية وتعاليمها ورسولنا الاكرم جاء ليتمم ما كان موجودا قبله من اخلاقيات جاء بها الرسل والانبياء السابقون واصبحت الامم تتوارث بقايا هذه الاخلاق.
      ورغم سمو الاخلاق النبوية فهي الاعلى منذ ان خلق الله الخلق ورغم اننا مسلمون
      كما نسمي انفسنا ولكن للاسف في التطبيق يقع الخلل
      حين نتعامل مع بعضنا البعض وتتداخل مطامع الدنيا يحدث الخلل فلا اسلام ولا غير ذلك يحكمنا بل تحكمنا الاطماع والجشع

    • زائر 1 | 12:11 ص

      ومن اين لهم هذا

      من امن العقوبة اساء الادب وهذا هو ديدنهم

اقرأ ايضاً