العدد 1526 - الخميس 09 نوفمبر 2006م الموافق 17 شوال 1427هـ

المثالية الإنسانية... إعمال الفكر نحو التعددية والوسطية

محسن الشيخ أحمد العصفور comments [at] alwasatnews.com

.

جانب من جوانب الإختلاف الجوهري بين النظام الإسلامي والأنظمة الوضعية الأخرى كالاشتراكية والرأسمالية، هو ذلك التباين الواضح في البنية العامة لمقومات النظام الأساسية، كمعرفة وتحليل مفهوم الملكية، والتي تؤدي تحليلاتها إلى أبعاد متباينة بين هذه الأنظمة تكمن في حدوث ونشأة الطبقات المختلفة في المجتمع الواحد. من منظور إسلامي وسطي معتدل، قد لا نتفق مع كثير من مرئيات النظام الاشتراكي أو غيره من الأنظمة الوضعية الأخرى، ولكننا نتفق على مدار واحد وهو أن بعض عناصر الأنظمة الوضعية بعموميتها تذهب إلى تأصيل العدالة الاجتماعية، وتنشئة مناخ وحدوي يركن إلى تمازج الأديان والأعراق في بوتقة واحدة معنية بالتعايش السلمي. فعندما دعا سان سيمون وبرودون ولويس بلان، وغيرهم من دعاة ومنظري الاشتراكية في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر إلى المشاركة والى التنظيم البلدي في إدارة المجتمع، كان هاجسهم الوصول إلى نتيجة موائمة لمختلف طبقات المجتمع، وان اختلفت الطرق المؤدية إلى النتيجة المطلوبة، على اعتبار أنها أخذت بمبدأ التزاوج، أو ما أسمتها الاشتراكية الإصلاحية أو التطورية على الأنظمة الأخرى ظهرت في تعميم بعض مزاوجات الأنظمة القديمة وإصلاح التدريجية من داخل النظام الرأسمالي على سبيل المثال، وأيضا عن طريق تشبيك عدد من المعادلات والاصطلاحات الفرعية التابعة لأنظمة أخرى. انه وبغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع بعض عناصر المذهب الاشتراكي، خصوصاً فيما يتعلق بالتشريع الإداري وإدارة مرافق ومفاصل الدولة في المناحي الاجتماعية والاقتصادية، فان الخصائص الأساسية التي جاء بها هذا المذهب بنيت على ضرورة تثبيت العدالة الاجتماعية ورفض الإمبريالية (الداخلية) في أي مجتمع. أرجو ألا يفهم من كلامي أنني أدعو إلى الاستيعاض بالمنهج الإسلامي كنظرية وسلوك، فهذا أمر لا يمكن أن اقبله بأي شكل من الأشكال، ولكن الهدف من مدخلي هو أن أصل إلى جدوى عدم التطرف فيما يتعلق بتفسير دقائق بعض نظريات المناهج والمذاهب المختلفة، على نحو يدعونا بتبني جزئيات وفلسفات هذه الأنظمة على أنها مسلمات، فالدين الإسلامي ولو انه منهج إلهي، فقد خوطب به عقل الإنسان محدود المدارك، ومن المحاسن المحمودة فسح المجال فيه لإعمال الفكر وإبراز القدرات الخلاقة للتحقيق والتمحيص، واستنباط الأحكام وبالتالي الاجتهاد، وحدد استعمال مساحة الاجتهاد لتغليب التعددية، وأطرها بمعايير ثابتة تصل إلى خطوط حمراء متفق عليها كالاجتهاد مقابل النص.

واني في الوقت ذاته، أردت أن اخلص إلى أن أبجدية التعايش السلمي القائم على المشاركة في مفاصل الحياة المختلفة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ركيزة هامة ترتكز عليها مقومات الدولة الحديثة، ولا ضير من اقتباس الصالح من أدوات المعرفة منها ما أمكن.

فإدارة مجتمع في اي فكر إنساني يعتمد بعموميته على عدد من المعايير الثابتة، تتبنى إشباع رغبات الأفراد لبناء مجتمع أكثر عدالة، وبالتالي الوصول إلى الهدف الأسمى الذي من عناصره تكافؤ الفرص بين كل أعضاء المجتمع، بغض النظر عن جنسه أو لونه أو عرقه أو ديانته، وهذا أمر يدخل تحت أبجدية المسلمات في إسلامنا الحنيف، وان اختلفت آليات وأدوات تحقيــقه، ولكننا في نهاية المطاف نخلص إلى اتحاد النتيجة المقررة، الداعية لرفعة ورفاهية المجتمع الذي نعنيه. ومما لا شك فيه، فإن مقدرة أي مجتمع على التعايش في ظل وجود التعددية الفكرية والأديان والمذهبية والعرقية، تخضع إلى الخلفية الفكرية لهذا المجتمع، من منطلق الفكر الحر الذي يحوي السمات الفاضلة المتوائمة مع طبيعة الإنسان منذ ولادته، حيث النزعة العفوية والطبيعة إلى فعل الخير المطلق المجرد من الرغبات الفئوية والمصلحية، كالذي ظهر في فكر الفيلسوف والشاعر الهندي طاغور في أدبياته وروائعه، والتي كان يحاول أن يصل إلى «المثالية الإنسانية» والتي حددها بمدى استطاعة الإنسان تحقيقه على سعيد المبادىء الجوهرية للمحبة والمعرفة، فالمثالية كما وصفها هي العمل الدءوب للارتقاء بالحياة، وفي منظور طاغور فإن استمرار هذا الاتجاه هو الذي يخلق ويهذب الروح المتحررة والنقية، فالأخلاق لا تتقيد بحواجز الشرائع الصارمة، بل هي عمل مبدع يتم على الذات. وأسمى طاغور هذه المثالية بـ «ديانة الشاعر» لأنها مثالية تفلت من الاعتقادات المتصلبة العنصرية والطائفية، فهي مرنة وغير محدودة. وكما كان طاغور مسبراً في تحرير الفكر نحو ما أسماه بالإنعتاق، فقد تجرد من الذات وأوجد حالة من المتناقضات كما هي للوجه الآخر من العملة، الذي مثل فيها الاستغلال القبيح للدين، والذي أسماه الدين الزائف. وللولوج إلى المثالية الإنسانية عبر نافذة استيراد أحد المناهج الوضعية التي ابتكرها الإنسان، أجد أننا أحوج ما نكون إليه في هذه الحقبة المعقدة، هو منهج الاعتدال والوسطية، ففي الحراك السياسي الحالي هنا في المملكة، ومثل ما نطالب الحكومة بالحياد وان تترك المجال مفتوحا لكل التيارات الدينية والايدولوجية للتعبير عن نفسها بكل حرية، في إطار المصلحة السياسية العامة، في المقابل، فإن على التيارات التي تمثلها الجمعيات السياسية، أو الأفراد تبني الحياد وممارسة التعددية، ابتدءاً من احترام الرأي الآخر واحترام الشروط التي تحكم العملية الانتخابية، وانتهاء بالإفصاح عن الأفكار البناءة التي تخدم جميع الأطراف، وتجنب النزعة العدائية وأسلوب التسقيط، والنأي عن «التوتاليتارية» وهي رفض كل القيم المخالفة لما يعتبرونه القيم الأسمى.

تحت هذا السيناريو شدني تقديما للشيخ حميد المبارك في إحدى محاضراته عن الاعتدال والوسطية، عندما تحدث عن حالات التطرف الفكري والسلوكي في مجتمعاتنا، والتي جاءت نتيجة عدم الإلمام الكامل والشامل بمجمل وحيثيات الأمور، والتي أسماها «النظرة المنقوصة للأشياء»، وذهب أيضاً إلى أننا جميعاً متطرفون في الممارسة الدينية، وإنما نختلف في مراتب التطرف، وذلك في مقام النظرية وفي مقام السلوك - وليسمح لي فضيلة الشيخ أن أعمم ذلك على الممارسات الأخرى - وأضاف انه لا توجد مسطرة دقيقة لمساحة الاعتدال والموازنة بين الأمور، ولكن توجد هناك مساحة نسبية متفاوتة، وأخاله يقصد أننا لا نمتلك أدوات قياس ومعايير ثابتة لقياس نسب ما للوصول إلى الاعتدال الحقيقي، كما هو جار بالنسبة إلى قياس مفردات كالحب والكره والعدل وغيرها. وانتهى إلى أمر أجده في غاية الأهمية، إذ أردف أن التعددية يجب أن تكون مقياس للتطور الاجتماعي والسياسي فنحن متقدمون سياسياً واجتماعياً بقدر انفتاحنا على التعددية بمقدماتها واستتباعاتها، ومتخلفون سياسياً واجتماعياً بقدر ضيقنا بمبادئها. هذه النظرة «الحيادية» العميقة تظهر لنا الخلفية الفكرية للمجتمعات، إنما تتجه صوب ما يسمى بممارسة «الدولة الكلية» وهي النقيض تماماً إلى التعددية، وهي التي تحدد النظرة الشمولية واقصد الشمولية في التعاطي لا في الفكر، فالشمولية في الفكر تعتبر حالة من حالات الإقصاء والتي تتناقض مع الشراكة في قاموس إدارة المجتمعات الحديثة.

وكما قالت الفيلسوفه الألمانية هانا آريندت في كتابها «عناصر وجذور الشمولية»، «حين يستحيل كل شيء أداة لتحقيق أهداف إيديولوجية يصبح العالم قاعة مغلقة لا مجال فيها للجديد» بمعنى أن أدلجة العقول قسرياً يؤدي إلى نتيجة حتمية تفضي إلى تقييد الفكر وإلغاء القدرات الخلاقة للفرد، بهدف تقنينه ووضعه في دائرة لا يمكنه تجاوزها، ولو أمعنا النظر في هذه المقولة فسنجد أنفسنا في نهاية المطاف نرزح تحت جذر المؤسسات والأفكار الشمولية، التي أصبحت حالياً مصدراً للفكر الإرهابي التكفيري بكل ما يحتويه من إلغاء للآخر، ومنعه من التفكير الحر البعيد عن القيود الإيديولوجية. إن عنصر الربط هنا يعتمد على منشأ وإعمال الفكر، وتجريده من الانحياز لأي فكر حديث أو قديم قدم نظريات الإغريق أو الآشوريين أو حتى الرومان، وان موضوع الحياد هو محور من الأهمية بمكان لتفرغه من أبجديات الذيلية، التي جبل عليها أنصاف المتعلمين وفي واقع الأمر هم من صنعها، بل أضاف على هيكلتها وبدت حينها أكثر تعقيدا وتصنعاً. ولئلا نذهب بعيداً، فالنتيجة التي نبحث عنها خاصة ونحن مقدمون على مرحلة انتقالية ونوعية من عمر الوطن، أن نتشبث بالاعتدال والوسطية في الفكر، وان نتبناها كنظرية ومنهج فلسفي وأنا أول من سيركن إلى تجييش أقراني من الشباب التائه في مستنقع التطرف الفكري، وأجعل منه منارة للفكر وتحديا جديدا، في زمن أضحى فيه التطرف الفكري معضلة تستعصي أمامها جميع قواعد اللطف والتسامح وخطب البيان، لذلك لا مناص من تعبئة منهج الوسطية وتأصيلة في مفاصل ودقائق تنظيراتنا الفكرية والمجتمعية، والسماح لمنهج التعددية أن يلج عقولنا الصدئة، لنجعل منه منارة بارزة، ولتصل إلى ممارسات عملية في مختلف جوانب حياتنا اليومية، لنجني نتائجها ولو بعد حين

العدد 1526 - الخميس 09 نوفمبر 2006م الموافق 17 شوال 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً