العدد 4295 - الثلثاء 10 يونيو 2014م الموافق 12 شعبان 1435هـ

الحاجة لمعالجة فكرية – عملية لإشكالية الديمقراطية

يتطرق الدكتور علي الكواري في بحث جديد سيصدر قريباً بعنوان "نحو رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية في أقطار مجلس التعاون الخليجي" إلى مواضيع في غاية الأهمية لكل المهتمين والناشطين السياسيين في منطقة الخليج. ولعل الساحة البحرينية تمثل حقلاً تجريبياً لبعض الأفكار والطروحات الواردة في الدراسة خصوصاً بعد البدء بمشروع إصلاحي قبل عدة أشهر.

إن المدخل الذي ابتعه الدكتور الكواري لتعريف الديمقراطية يقول بأنها "منهج وعملية سياسية وليست عقيدة مثل غيرها من العقائد، وإنما تتأثر الممارسة الديمقراطية بعقائد المجتمعات التي تتم فيها وتراعي ثوابتها، تعبيراً عن احتياجات الجماعة التي تمارسها". هذا المدخل هام جداً، لأن عدداً من الحركات العقائدية كان يعتبر الديمقراطية عقيدة موازية وأن اتباعها يعني إلغاء عقيدة المجتمع. الديمقراطية تتعلق بالمنهجية التي يمارس المجتمع من خلالها إدارة شؤونه. إنها تعني إخضاع عملية اتخاذ القرار للرأي الجماعي القائم على أسس عقلانية وتداولية بين أفراد تلك الجماعة.

وفي البحرين مثلاً كانت العريضة النخبوية لعام 1992، والعريضة الشعبية لعام 1994 والعرائض الأخرى تعتمد على هذا المفهوم وكذا تجاوزت الأطر المذهبية والحزبية لتطرح القاسم المشترك. ذلك القاسم هو مفهوم المواطنة، إحدى مقومات الممارسة الديمقراطية.

وفي الخليج يواجه الناشطون إشكالية المواطنة ليس من باب وجود أقليات غير مسلمة (لأنها ضئيلة العدد) ولكن من باب سمو مفهوم المواطنة بعيد عن التطبيق الشامل في مجتمعاتنا لأن الدولة قائمة على أسس قبلية واعتبارات خارجة على هذا المفهوم.

يرتبط بمفهوم المواطنة، المساواة أمام القانون والمساواة في الحقوق والواجبات، والاحتكام لشرعية دستورية. وهذه مفاهيم تحتاج إلى تأصيل إسلامي لكي تتحول إلى قيمة اجتماعية ومعيار أخلاقي. والملاحظ أن التأصيل الإسلامي للمفهوم لم يأخذ شكلاً منهجياً بعد، والمعالجات مازالت فوقية وتطرح سياسياً أكثر من طرحها فكرياً.

لقد ساهمت الحركة الإصلاحية في البحرين في تعميق جزء من هذه المفاهيم خلال حركتها الممتدة منذ العام 1992، ولكن وبعد تحقيق معظم المطالب التي طرحتها الحركة الإصلاحية في مطلع العام 2001، بدأت تظهر للسطح مفاهيم تعتمد على تراث محافظ يشكك في كثير من المفاهيم المعاصرة حول الديمقراطية والمواطنة والمجتمع المدني. وهذا يعني أن رفع الشعار سياسياً لا يعني بالضرورة تمكن تلك المفاهيم من جذور الإشكالية. وهنا يأتي الدور التنظيري والتثقيفي للوصول إلى ضوابط تؤكد عدم تجاوز هذه المفاهيم الأساسية مبادئ الدين الإسلامي.

المعالجة الأخرى التي يطرحها الدكتور الكواري هي تنقية ثقافتنا السياسية من شوائب الاستبداد. فالاستبداد في مجتمعاتنا منتشر ليس في الدولة فقط وإنما في الأسرة والمدرسة والنادي والجمعية والمسجد والمراكز الاجتماعية الأخرى. الاستبداد ينتشر في كل أطراف المجتمع القائم على المفاهيم "الأبوية" والذي ينتظر فيه من بيدهم الأمر إلى الآخرين بأنهم قاصرون وعاجزون عن اتخاذ القرار المناسب، وبالتالي يتم تبرير "الوصاية" عليهم. هذه المعالجة تتطلب إيجاد النماذج الناجحة القائمة على مفاهيم التعددية والديمقراطية. فإنشاء الجمعيات الأهلية بدأ يزداد في البحرين بعد الانفتاح السياسي وسرعان ما شاهدنا "التحزب" يؤدي دوراً رئيسياً في إنشاء هذه التجمعات. والتحزبات، سواء أكانت طائفية أو فكرية، مضرة للعمل التعددي فيما لو حاولت فئة الانفراد أو فكرية، مضرة للعمل التعددي فيما لو حاولت فئة الانفراد أو السيطرة على واحدة من المؤسسات الأهلية وحرمان الأطراف الأخرى منها.

إشكالية أخرى يعالجها البحث وهي محاولة تحديد المقصود بالشريعة الإسلامية، وتحديد معنى السيادة. الإشارة إلى برلمان ويستمنستر كمثال للسيادة البرلمانية المطلقة قد يحتاج لمراجعة. فحتى برلمان ويستمنستر البريطاني يخضع في العصر الحديث لتشريعات سامية تعلو على السلطة البرلمانية. مثلاً، هناك التشريعات الخاصة بحقوق الإنسان التي تحميها المؤسسات الأوروبية (مثل محكمة العدل الأوروبية) وهناك مواثيق الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية الاستراتيجية، وهي تعلو أو تحد من سلطات البرلمان البريطاني. ولذلك فإن تحديد سلطات البرلمان في مجتمعاتنا الإسلامية ببعض الضوابط المستمدة من الشريعة الإسلامية أمر لا يختلف عما هو الحال عليه في البلدان الديمقراطية المتقدمة. إلا أن المشكلة في تحديد معنى الشريعة، وهل يمكن نشر الفكر الإسلامي القائم على "مقاصد الشريعة" مثلاً، بدلاً من الحالة الفردية التي تخضع الفتوى الدينية لمفت هنا ومفت هناك.

هذا الحديث صعوبته في دول الخليج العربية أكثر منه من دول المغرب العربي لأن المجتمعات الخليجية محافظة والعمل الثقافي المطلوب لا بد أن يكون بحجم التحدي.

منذ منتصف فبراير/ شباط 2001 وحتى كتابة هذه السطور والبحرين تعيش أجواء انفتاحية مختلفة عن الماضي. ومنذ حدوث الانفتاح ظهرت على السطح اتجاهات كانت مختبئة. هذه الاتجاهات محافظة جداً ومتشابهة مع بعضها الآخر رغم الاختلاف المذهبي بينها. فهي تحذر مفاهيم الديمقراطية وتنظر إلى الجمهور الأوسع من الناس بأنهم غير مؤهلين لإدارة شؤونهم السياسية حسب المنظور المحافظ. ولذا فإن موضوع الوصاية يعود ليطرح بقوة رغم أن الحركة الإصلاحية التي نجحت في تحقيق عدد من أهدافها كانت ومازالت قائمة على أسس تعددية.

إن الحالة الدينية التقليدية قوية جداً وما لم تستطع حركة التنوير الثقافي من الوصول إلى هذه المؤسسة للتفاهم معها حول المناطق المشتركة وكيف أن الطرح الديمقراطي لا يعادي الإسلام، وإنما قد يساعد على تعزيز البعد الثقافي القائم على القيم الإسلامية، فإن الجهود النخبوية لن تستطيع تحقيق الأهداف الديمقراطية المرجوة.

إن تحول الديمقراطية إلى قيمة اجتماعية ومعيار أخلاقي بحاجة إلى طرح نماذج ثقافية – واجتماعية مقبولة إسلامياً – شعبياً، لاسيما عندما يتعلق الموضوع بتحرير المرأة وحرية الفكر والأحوال الشخصية والتعددية السياسية.

 

العدد 4295 - الثلثاء 10 يونيو 2014م الموافق 12 شعبان 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً