العدد 4309 - الثلثاء 24 يونيو 2014م الموافق 26 شعبان 1435هـ

الثابت والمتحول 2014: الخليج ما بين الشقاق المجتمعي وترابط المال والسلطة

عمر الشهابي، محمود المحمود، نورة الحسن

.

لعل من أهم دروس الانتفاضات العربية هو تذكير المتابع بأن المجتمعات في تحول دائم. فما هو إذاً الإتجاه الذي تسير فيه مجتمعات دول مجلس التعاون؟ ما هي التحديات التي تواجهها هذه المجتمعات؟ و ما هي السبل لتجاوزها؟

يقع هذا النقاش في صلب الإصدار الإستراتيجي السنوي لمركز الخليج لسياسات التنمية، الذي صدر العدد الثاني منه تحت عنوان «الثابت والمتحول 2014: الخليج ما بين الشقاق المجتمعي و ترابط المال و السلطة».

انصب في هذا الإصدار مجهود أكثر من عشرين باحثًاً وباحثة من مواطني دول مجلس التعاون، انطلاقاً من مبدأ أن «أهل مكة أدرى بشعابها»، للبحث في التطورات في أوجه الخلل المزمنة التي تعاني منها مجتمعات الخليج. وتتلخص في الخلل السياسي القائم على الدور المهمّش للشعب في صنع القرار؛ والخلل الاقتصادي الكامن في الاعتمادية على إيرادات النفط كمصدر رئيسي للدخل والاقتصاد؛ والخلل الأمني المتمثل في الاعتماد على دول أجنبية لتوفير الحماية العسكرية والأمنية؛ والخلل السكاني المتمثل في مجتمع يُشكل فيه وافدون غير مواطنين نسبةً عاليةً من السكان ومن قدرات المجتمع الاقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعية، لفترةٍ ممتدّة ومتّصلةٍ من الزمن.

ما وجده هذا الجهد البحثي هو أن أوجه الخلل في جدلية مستمرة، فعلى الرغم من أنها آخذةٌ في الترسّخ في مجتمعات الخليج، إلا أن تناقضاتها بدأت تفرز تحولات عميقة في بنية المجتمعات. فمن جهة تتجه قوى السلطة السياسية إلى تعميق نفوذها، حيث نجد ترابطاً وثيقاً ما بين السلطة ورؤوس الأموال، بحيث يتبادر إلى الذهن وصف الباحث محمد غباش لـ «سلطة أكثر من مطلقة وشعب أقل من عاجز». في المقابل فإن شبح الانقسامات الأهلية، من عصبيات طائفية وقبلية ومناطقية وغيرها، أو ما أسميناه، إجمالاً، بالشقاق المجتمعي، قد بدأ يتجلى بشكل أكثر حدية.

الخلل السياسي

يركز القسم السياسي على موضوع الشقاق المجتمعي، حيث ركّزت ملفات المستجدات السياسية الخاصة بكل بلد على وصف التركيبة الاجتماعية في كل حالة، ونقل أبرز الاحتقانات الداخلية فيها. هذا بالإضافة إلى رصد أهم المستجدات على الساحة السياسية المحلية على مدى عامي 2013-2014. وقد تم تخصيص ملف معمق لدراسة حالة الشقاق المجتمعي في الخليج عن طريق استقصاء آراء عينة عشوائية (random sample) من مواطني أربعة من دول المجلس (السعودية والبحرين والكويت وعُمان) حول مسألة الطائفية كنموذج للشقاق المجتمعي.

تطرق الاستطلاع إلى عدة مسائل جوهرية على المستوى المحلي والخليجي والعربي. عربياً، ركزت الدراسة على الاصطفاف الطائفي حيال الأزمات السياسية التي تعصف بالمنطقة. أما محلياً، فتطرقنا إلى المسائل التي من شأنها أن تقوّض الإحساس بالمواطنة الكاملة والمساواة ما بين المواطنين، حيث رصدنا، مثلاً، حالات من التمييز الطائفي حسب الآراء التي أدلى بها المشاركون. وأتت نتائج الاستطلاع لُتظهر عدة تناقضات. فمن جهة، أكد الاستطلاع على وجود فروقات جوهرية بناء على الانتماء الطائفي في دول المجلس، وأن الاصطفاف الطائفي هو جزء من الواقع السياسي والاجتماعي الذي تعيشه دول المجلس. فبغض النظر عن البلد الذي ينتمي إليه المشارك أو حتى الأيديولوجيا السياسية، نجد، كمثال، أن الانتماء الطائفي هو أحد المحددات الأهم للموقف السياسي حيال القضايا الإقليمية كالحرب في العراق وسورية.

النتائج أتت لتبّين تفاوت التشنجات الطائفية بين دولة وأخرى، حيث كانت أشدها في البحرين وأقلها وطأةً في عمان. كما كشفت أن المنتمين للتيارات الإسلامية من الطائفتين السنية والشيعية هم أكثر تشبثاً بالهوية المذهبية والمؤسسات الدينية التابعة لها. أما المنتمون للتيارات السياسية المدنية فقللوا من أهمية الهوية المذهبية بالنسبة لهم، إلا أنهم لازالوا منقسمين حول القضايا الإقليمية ولكن بدرجة أقل نسبياً من الاسلاميين، ما قد يدل على تغلغل المنطق الطائفي ما بين شريحة واسعة من العينة.

ولكن في المقابل، بينت النتائج أن شعوب المنطقة لازالت تعطي الأهمية الكبرى للهويات العربية والإسلامية والوطنية في مقابل الهويات الفرعية كالطائفة والإثنية، ما قد يدل على أن الفرصة لازالت سانحة للنهوض بمبدأ المواطنة الذي يقوم على المساواة الكاملة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات.

الخلل الاقتصادي

يتمثل الخلل الإنتاجي- الإقتصادي في الاعتماد المُطلق والمُتزايد، على ريع صادرات الثّروة الطبيعيّة، وهي النّفط الخام (الزيت والغاز الطبيعي)، الأمر الذي يضع شعوب المنطقة تحت رحمة السوق العالمية للنفط. يعاني هذا النمط الاقتصادي من قصر النظر، إذ أن الثروة النفطية ناضبة بطبيعتها، وأسعار السلع العالمية تتقلب مع مرور الزمن. ونظراً للموقع المركزي الذي يتبوأه النفط في اقتصادات دول المجلس، خصص الدراسة ملفاً معمقاً لقطاع النفط والغاز، بما فيها عمليات الإنتاج والتصدير والتسويق، بالإضافة إلى دراسة المتغيرات التي طرأت على هذه الصناعة.

تعي حكومات دول المجلس ضرورة تغيير نهج الاعتماد شبه الكلي على ريع النفط، الأمر الذي دفع بعضها لتقديم رؤى اقتصادية تهدف إلى تنويع مصادر الدخل والتحول إلى نمط تنموي غير نفطي، كرؤية البحرين الاقتصادية 2030 ورؤية أبوظبي 2030. وقد قمنا بتحليل هذه الرؤى في أحد ملفات القسم الإقتصادي، حيث وجدنا أن الأيديولوجيا المسماة بـ «النيوليبرالية»، التي تقوم على تقليص الدور الاقتصادي للقطاع العام ورفع ضوابط الدولة وقيودها عن رأس المال الخاص قدر المستطاع، هو النمط الأيديولوجي المهيمن على هذه الرؤى المستقبلية للتنمية. وفي مقابل تمكين رجال الأعمال في القطاع الخاص، لا توجد نظرة موازية تهتم بحقوق عامة الشعب الاقتصادية والاجتماعية هذا ناهيك عن خلو الرؤى، التي لم تستشر شعوب المعنية فيها، من أية إشارة للتنمية السياسية التي تعتمد على إشراك المواطنين في صنع القرار.

تدفعنا التوجهات الرسمية تجاه الخصخصة، إلى فرد ملف معقم آخر للبحث في القطاع المصرفي والتحديات التي تواجهه، حيث يمثل هذا القطاع أحد الأعمدة الرئيسية لكل الرؤى الاقتصادية لدول المنطقة. وقد وجدت الدراسة، التي اتخذت البحرين وقطر كنماذج، أن القطاع المصرفي، كباقي القطاعات الاقتصادية، مرتهنٌ بارتباطه الوثيق بعائدات النفط ودعم الدولة والقطاع العقاري. فالحكومات تهيمن على ملكية البنوك المحلية، وتتدخل البنوك المركزية لدعم القطاع المصرفي.

ملفٌ آخر بحث مدى ترابط السلطة السياسية، ممثلة بالقطاع العام وأفراد من العوائل الحاكمة ونواب ووزراء سابقين، بالقطاع الخاص، عبر دراسة تركيبة ملكية رأس المال في أسواق الأسهم المالية في الكويت والسعودية وقطر. وعلى الرغم من تفاوت تملك السلطة السياسية للمال الخاص في كل دولة، إلا أن نتائج الدراسة تبين أن الظاهرة هي سمة بارزة في جميع الحالات المدروسة. ففي الكويت بلغت نسبة ملكية القطاع العام في الشركات المدرجة في السوق المالي 12 %، وفي قطر وصلت النسبة إلى 19 %، والسعودية 40 %. وبلغت نسبة ملكية الأسرة الحاكمة المعلنة في الشركات المدرجة في السوق المالي 8 % في الكويت، و13 % في السعودية و36 % في قطر.

الخلل الأمني

يتمثل جوهر الخلل الأمني في عدم مقدرة دول المجلس على الدّفاع عن نفسها وتأمين الاكتفاء الذاتي من الحماية العسكرية، وذلك لأسبابٍ تتعلّق بصغر وضعف كلّ منها منفردةً، الأمر الذي جعلَ كلاً منها تجد «أمنها» في التّحالف مع دول عظمى، وإعطائها تسهيلات عسكريّة لحماية نفسها. فلازال هناك ما يفوق 50 ألف عنصر من القوات المسلحة الأجنبية في الخليج. وفي مقابل هذا الضعف المزمن في تزويد الحماية الأمنية، إلا أنه لازالت دول المجلس أكثر الدول إنفاقاً على التسلح عالمياً، حيث يتجاوز مجموع إنفاق العسكري مثيله في بريطانيا و»إسرائيل» مجتمعتين.

ونركز على دراسة محددات العلاقة الخليجية المصرية، نظراً لأهمية الأحداث على الساحة المصرية وانعكاساتها في دول الخليج، بدءًا بعلاقة تنظيم الإخوان المسلمين مع الخليج، واستثمارات الخليج في مصر، والعمالة الوافدة المصرية، والمؤسسة العسكرية المصرية، والعلاقات التاريخية الحديثة والراهنة، حيث تتجه كتلة من دول المجلس إلى دعم المؤسسة العسكرية، في مقابل دعم قطر للإخوان المسلمين، وبالتالي فإن محاولة دول الخليج لحسم النزاعات داخل مصر لصالح أحد الأطراف السياسية على حساب غيرها، سينعكس سلباً على الواقع المصري من جهة، والعلاقات الخليجية – الخليجية من جهة أخرى.

الخلل السكاني

يمثل الوافدون الكتلة السكانية والعمالية الأكبر في أغلبية دول مجلس التعاون، ما قلل من الأهمية التاريخية للمواطنين كعنصر إنتاجي في هذه الدول. وتشير آخر الإحصائيات إلى أن أعداد الوافدين لازالت في ازدياد، حيث بلغ إجمالي سكان دول المجلس العام 2013 نحو 49.3 مليون نسمة حسب الإحصائيات الرسمية، وبلغ متوسط نمو السكان في المنطقة 3.9 % عن العام الذي سبقه. ولايزال الوافدون يشكلون نسبة عالية (48 %) من إجمالي سكان دول مجلس التعاون. وتسجّل السعودية أقلّ نسبة من الوافدين (32 %)، فيما تسجّل الإمارات النسبة الأعلى (89 %). وتشير البيانات إلى أن إجمالي العاملين في دول المجلس بلغ 20.5 مليون عامل وعاملة في 2013، بزيادة بلغت 8.47 % عن السنة التي سبقتها. ويشكل الوافدون 69 % من إجمالي سوق العمل في العام 2013، ويتركزون في القطاع الخاص، بينما يتركز المواطنون في القطاع الحكومي الذي يوفر للعامل دخلاً أعلى وأماناً وظيفياً.

ونظراً لكون نظام الكفالة هو الإطار الرئيسي الذي ينظم تدفق الوافدين إلى المنطقة، فإن أهم الأسئلة هو طبيعة هذا النظام كوسيلة لترسيخ الإقصاء والتبعية السياسية والاقتصادية عند الوافدين والمواطنين معاً، عن طريق وظيفته لتوزيع الريع وعلاقته بتجديد شرعية هياكل السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في دول المجلس.

لقد حاولت هذه الدراسة ربط المستجدات في أوجه الخلل المزمنة معاً، فالشقاق المجتمعي وترابط المال والسلطة، هي أعراض لمرض غياب مشروع الدولة في مقابل تفشي مشروع الحكم، ومشروع الحكم همّه وهدفه البقاء لأطول مدة ممكنة في السلطة؛ ووسيلته توزيع موارد الدولة لشراء الولاءات بدلاً من تنمية تلك الموارد لصالح الجميع ولحماية المستقبل. فعندما يفشل الفرد في الاحتماء بسيادة القانون، تفشل الدولة، ولا يعود معها ممكناً أن نتوقع تحقق نجاح لأي مشروع تنمية.

وعندما يتراخى حكم القانون، يذوب مفهوم المواطنة بتعريفها الشامل، ويتحوّل الإنسان، إما للاحتماء بالعصبيات الصغيرة، مثل العائلة أو الطائفة أو القبيلة أو المنطقة، أو ينضم عضواً، ناشطاً أو هامشياَ، إلى تجمعات المصالح. ولا علاج من أعراض هذه الأمراض سوى بالانتصار لمشروع الدولة على حساب مشروع الحكم، أما البديل، طال أو قصر الزمن، فهو تكرار المواجهات والاحتجاجات، وآخرها الانتفاضات التي شهدها العالم العربي منذ العام 2011.

العدد 4309 - الثلثاء 24 يونيو 2014م الموافق 26 شعبان 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً