العدد 4517 - الأحد 18 يناير 2015م الموافق 27 ربيع الاول 1436هـ

العراقي وأناقة التعبير عن الحزن!

جعفر الجمري jaffar.aljamri [at] alwasatnews.com

-

أجدني منحازاً دائماً لقدرة البشر على التعبير عن الحزن بأساليب خلاقة وأنيقة. الحزن حق ضمن حزمة من الحقوق. بعضهم لديه القدرة على اتباع أساليب من التعبير لا تشعرك بأن في الحزن حزناً؛ بتلك المخارج الرحْبة للصوت ورخامته وعذوبته وقدرته على أن يكون مركز السيطرة على الأعصاب، وعلى كل متحرك، من عَجِلٍ مشغول بمسعاه ليتأنَّى؛ إلى مدلّهٍ سيفطن أكثر للطريقة التي يُمكن أن يتخذها درساً كي يضع حدَّاً لمحنته التي يراها ضرورية.

لا يحتاج العراق والعراقيون في أصالتهم إلى تقديم كي نتناول تحوُّل عذاباتهم إلى ما يشبه الملْح اليومي؛ وإن لم يكن ملْحاً لغذائهم الشحيح؛ بل في الحديث عن ملْح يتم نثره على جراحاتهم الغائرة، وآلامهم التي تبدو سرمدية بتتبّع قدرتهم على الانسجام والتعوّد والدخول في حال من الذهول والاستغراب، حين تمرُّ عليهم أيام من دون تشييع جنائز، وانحناء على قبور قراءةً للفاتحة، وما تيسّر من الذكر الحكيم، وتلقِّي العزاء.

سنوات مرَّتْ من دون أن أدخل في هذه المساحة العاطفية والحادَّة في الوقت نفسه؛ العاطفية أمام هذا البرود من قبل ذوي القربى أمام انهمار الدم، والحادَّة لأن ما يجري يكاد يكون النموذج النهائي للملهاة الغابرة، وبشواهد أكثر وفْرة، بفعل فائض الموت، وبفعل الاضطراب الذي احتل حق البشر في أن ينعموا بحصَّة من الاستقرار ولو كان عابراً أو طارئاً. ماذا يحدث حين تهمل عاطفتك تجاه شعب ملَّ الموت من دوره اليومي في محيطه؟

سنوات مرَّتْ ونحن نراقب المشهدَ العراقي في حيويته بالموت اليومي؛ وأمام حيوية مضادَّة ومعاكسة كتلك لا نملك إلا أن نصمت لأن أي كلام بعد ذلك سيكون ضرباً من الغناء في مأتم يضجُّ برثاءٍ لأكثر من قتيل.

صار قدَرُ العراقيين أن يتواءموا مع كل ذلك. أن يتواءموا مع الضوء الناقص بانقطاع الكهرباء. والحياة الناقصة بالموت الذي عجزت عنه الحروب النظامية، والعوز في ظل محيطٍ من الثروات، وعيش فئات ليست بسيطة على تدوير النفايات، في بلد هو آخر من سينفد منه النفط في العالم بعد 500 عام! والاستعراض في المنافي والحدود، وهو محط رحال غزاة يأتون بعد جلاء تحت مسمَّى خبراء ومستثمرين وملبّين لنداء الله للقيام بدور الإنقاذ والخلاص بحسب الدجّال التاريخي جورج بوش الابن.

كل تعبير أنيق وجميل سيجد من يتوقَّف عنده. التوقُّف الذي يجد فيه شيئاً يشبهه، يشبه السريَّ مما لا يريد كشفه حتى لذوي القربى الذين هم أكثر تعطُّشاً للأذى، أو معبِّراً عن حاله. وأصعب شواهد ذلك التعبير سنجده في الحزن. أن تعبِّر عن حال حزن ليس بالضرورة أن يكون حزنك الشخصي. وحتى في التعبير عن حزنك الشخصي ستجد من تلامس دواخله، كأنك بذلك تعبّر عن حزن كثيرين يبدأ منك.

في التعبير الأنيق عن الحزن يكمن فرح مخبوء لا يُراد له أن يكون في هيئة منكسرة؛ لذا يمكن التعامل مع الموّال العراقي ليس باعتباره «آهاً»، وبحَّة حزن، واختزالاً لما يُراد إيصاله بالندب والنعي الشائع؛ بل باعتباره مروءةً في التعامل مع الماثل من الآلام وما سيمثل، في تمهيد عجيب وغريب لاستقبال مزيد منها؛ والتحايل عليها، وتجاوزها بذلك الانهمار الصوتي الجارح الذي يكتنز بالعذاب.

لا أحتمل الوجع الذي يحمله الصوت العراقي. جماليته تكمن في أناقة التعبير عن الحزن. بذلك الصوت؛ سيحنُّ العاشق أكثر. ستتسلَّل دمعة غريب كطوفان في مهبَّ الهجرات والمنافي. ستجد الأمُّ فيه هياماً حدَّ الجنون في تذكُّر أحبَّتها ووجعها المؤجَّل. هو الصوت نفسه، وبذلك الكمِّ من الحزن، ستجد من يقدِّم لنا صيغة ووصْفة مُغْرية للتصالح مع الفرح في الوقت نفسه!

العراقي هو الوحيد من بين شعوب الدنيا الذي لن يجد في الحزن تهمة أو إساءة إليه. لن يجد في الحزن عاراً مادام متصالحاً معه؛ بحكم الفضاء الملغّم الذي يتحرك فيه؛ من دون نسيان الفضاء التاريخي المرعب والدموي الذي ورثه؛ أو يُراد له أن يرثه؛ ويُتهم بصناعته، في توظيفات لم تكن بريئة، وفي توصيفات جارحة تحمّله مسئولية الدم الذي انهمر، والرؤوس التي حُزَّتْ، والتشظي الذي عرفت أطواره المنطقة.

ينحني العراقي على مشاهد انتشال الجثث اليومية التي خلّفها انتحاريون على الأرض، لم يجدوا الطريق الأسرع والأضمن لرضا السماء إلا بحفر مزيدٍ من القبور لضحاياهم، وتعميم مزيد من الفاتحات والآلام والفقد واليتم.

والعراقي لا يحتاج إلى ارتجال حزنه. نعم ثمة من ينجح في ذلك ولكن من دون أثر. من دون أن يصيب مكمن الذين لديهم الحزن العابر. أن تجعل أولئك ينحازون إلى تلك الأناقة في التعبير عن الحزن، وأن تنجح بامتياز، بعفوية الحزن في إيجاد صيغة ووصْفة مُغْرية للتصالح مع الفرح في الوقت نفسه، فتلك معادلة أكبر من البراهين والإثبات؛ أكبر بقارَّات ومدى مفتوح على المجهول من مختبرات تخضع لمثل تلك المعادلات.

ضع فاصلةً بين أناقة الصوت العراقي في التعبير عن الحزن، وبين وهْمِ فرح لا تخلو منه الحياة، ستكتشف أن الأول هو الاستدراج الذكي واللمّاح لفرح لا يُصطنع في حضوره؛ بل يتم التعامل معه كفرصة أخيرة؛ لذا يأتي ممتلئاً، كما هو الحزن العراقي الممتلئ لأنه امتياز وحق حصري بطريقة التعبير لأبنائه!

ولا تجفلنّ إذا سألتَه بكل عراقة حزنه: من أي البلاد أنت؟ وأجاب: سَلِ الحزن!

إقرأ أيضا لـ "جعفر الجمري"

العدد 4517 - الأحد 18 يناير 2015م الموافق 27 ربيع الاول 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 12:12 م

      الزائر رقم 3

      الدول المتحضرة أبعدت الدين عن السياسية وتخلصت من التخلف وحافظت على احترام العقيدة وصيانتها من غدر السياسية، أما عن الحزن في الفن العراقي هو جزء من التراث الاجتماعي الذي امتزج بعذابات الظلم والقهر والاستبداد عبر تاريخ بلاد الرافدين الحديث والمعاصر ..مع التحية

    • زائر 3 | 12:42 ص

      محب الوطن هذا ثمرة تدخل الأحزاب المذهبية في السياسة 0830

      صباح الخير عندما يتحول الصراع المذهبي المعادي للآخر والمكفر للمعتقد والحقد الدفين للرموز الدينية هذا الإرث الحاقد اذا أقحم في السياسة وبتغدية القنوات المذهبية باسم الحرية فماذا تكون النتيجة غير إلاف الضحايا الأبرياء فهل الشعب العراقي يستطيع أبعاد المذاهب عن السياسة كما الدول المتحضرة والعريقة في الديمقراطية أبعد المذاهب المسيحية

    • زائر 1 | 10:43 م

      كل شيء حزين عراقي

      من كربلاء المقدسه الى نينوى وتربة الامام الحسين ومواويلهم الحزينه ولكن شعب تواق للعلم والحيات

    • زائر 2 زائر 1 | 11:46 م

      تصحيح لكلمه في التعليق السابق

      الحياة وليست الحيات

اقرأ ايضاً