العدد 4618 - الأربعاء 29 أبريل 2015م الموافق 10 رجب 1436هـ

سوق الثقافة الميت

سوسن دهنيم Sawsan.Dahneem [at] alwasatnews.com

قبل أيام كتب الزميل الشاعر حسن السبع مقالاً بعنوان «مجلة فول مدمس»، يحكي فيه قصةً حدثت له في بداية حياته عندما قرّر مع مجموعة من زملائه فتح مكتبة لبيع الكتب والمجلات.

القصة تروي حدثاً يبدو في ظاهره طريفاً ومضحكاً، ولكنه يحمل كثيراً من الدلالات؛ إذ يقول السبع: «ذات يوم، ونحن نستعرض قائمة المجلات وأسعارها، وجدنا من بين تلك المجلات مجلة باسم (فول مدمّس). دهشنا في البداية، وبحثنا عن تلك المجلة فلم نجدها، ثم اكتشفنا أن أحد الزملاء كان يسجل في القائمة دعايةً عن الفول المدمّس على غلاف المجلة الأخير، ظنَّاً منه بأنه عنوان المجلة. عندئذ انتابتنا موجةٌ من الضحك استمرت وقتاً طويلاً. أردنا آنذاك أن نطبّع العلاقة بين المال والثقافة، لكن الرياح جرت بما لا تشتهيه أشرعة أحلامنا الصغيرة. فانسحبنا واحداً تلو الآخر، ولم يبقَ إلا زميلنا صاحب مجلة (فول مدمَّس) الذي حوّلها من مكتبة لبيع الكتب والمجلات إلى قرطاسية لبيع الأدوات المدرسية. فقد كان حسّه التجاري عالياً».

هذه الحادثة التي كتبها السبع ذكرتني بالمكتبات التي أغلقت أبوابها بعد أن انعدم ربحها، وذكرتني بما قاله لي صاحب مكتب «بيسان» في بيروت عندما أخبرته أنني أفكر في العمل على دار نشر وتوزيع ومكتبة للكتاب في البحرين: «إن كان همكِ ربحاً مادياً لا تفكّري في المشروع؛ خذي جولةً هنا وانظري إلى أعداد الكتب المتكدسة، ستعرفين أننا صامدون لأننا لا نفكّر بالربح المادي بقدر ما نفكّر في الاهتمام بالثقافة ونشرها»!

هذا الكلام سمعته مراراً وتكراراً من أكثر من شخص، وعشته وجرّبته في تجارب أكثر من صديق وزميل؛ فما مكتبة «مجاز» التي كانت متنفساً جميلاً للشاعر الصديق مهدي سلمان إلا واحدة من هذه المشاريع التي لم تستمر لأن سوق الثقافة وسوق الكتاب كاسد، ومن قبلها مكتبة «نون» للشاعر علي الشرقاوي التي تحوّلت إلى مقر لاجتماع الأصدقاء، ومكتبة الجيل الجديد التي كنت أشعر بكامل سعادتي حين كنت طفلةً وأنا أتجوّل بين كتبها القديمة بحثاً عن كتاب للكبار يعجبني فأشتريه خلسة لأنه أكبر من سني ولن تسمح لي والدتي بشرائه، وغيرها من المكتبات الكثيرة التي كانت في يومٍ ما منتشرة وتضم حتى الحلقات النقاشية والثقافية. سوق الثقافة ميّت حتى في الفعاليات والبرامج؛ إذ لا تجد الثقافة من يموّلها لو فكّرت جهةٌ ما بمشروع أو فعالية، ولا تجد أية جهة من يموّل كتاباً لها أو مجلة وكذلك الحال بالنسبة للكتاب أو المؤلفين.

الشركات الكبرى تنسى دورها الثقافي إلا نادراً، فلا نجد هذا الدور إلا في مشاريع الهيئة البحرينية للثقافة والتراث التي استطاعت في بادرة ذكية ومفرحة إقناع بعض المؤسسات الأهلية والمصرفية بالتبرع لصالح الثقافة والمشاركة في الفعاليات، وهي خطوةٌ تُحسب لها عجز عنها كل من سواها، وكم نتمنى لو أنها تتوسّع لتشمل عدداً أكبر من الشركات، وعدداً أكبر من الجهات الأهلية التي يتبرع لها.

لو أردنا إقامة فعالية رياضية أو فعالية علاقات عامة لوجدنا المتبرعين يتهافتون لإبراز أسمائهم في مطبوعات الفعالية، ولكننا لو سعينا لفعالية ثقافية لن نجد من يسمع أو يرد على اتصالاتنا، حتى تلك الشركات والمصارف التي تجني ملايين الدنانير أرباحاً ربع سنوية.

إقرأ أيضا لـ "سوسن دهنيم"

العدد 4618 - الأربعاء 29 أبريل 2015م الموافق 10 رجب 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 7:35 ص

      صدقت

      بس للسمعه فقط

    • زائر 1 | 6:58 ص

      فكرة

      أقترح تطوير فكرة المكتبة، بحيث تكون مقهى ثقافي: يوجد زاوية للمأكولات والمشروبات وبإمكان الناس إما استعارة أو شراء الكتب.. وتخصيص زاوية للمواهب واحتضانها: الرسم والكتابة والإلقاء وغيرها. بيكون المكان حيوي وبإمكان الشخص نشر ثقافة القراءة عن طريق نمط الحياة إلا اعتاده الناس وهو الجلوس في المقاهي والمطاعم.. تخيلوا لو ستاربكس أو كوستا أنشأ له مكتبة صغيرة في كل فرع بإمكان الناس شراء الكتب أو استعارتها..

اقرأ ايضاً