عمر هذه الشخصية الكارتونية الآن 36 سنة، هكذا تقول الحسابات التاريخية.
وما أراده صاحبها أن تظل هكذا، بنت عشر سنوات لا تزيد ولا تنقص، لا تتقدم ولا تتأخر، تراقب وتعاين، وتظل حبيسة الألم، بانتظار غبار كرامة يزحزحها من مكانها. ويبدو أن حنظلة قد سمرت قدماه أبدا.
قبل 15 سنة أي نصف عمري بالتمام والكمال - كنت قد تعرفت على أجمل أطفال العالم، عبر مجموعة من رسومات ناجي العلي الكاريكاتيرية التي كان يحتفظ بها والدي ويعتز. وأذكر أنه قال: لن يطول عمره كثيرا، كان وقتها قد بلغ من الحدة والشراسة في النقد والسخرية اللاذعة ما يكفي لتوقع مثل هذا الأمر، وأذكر أنه لم تمض سوى أيام قليلة حتى رحل العلي وترك خلفه حنظلة وحيدا.
وأزعم أنني كنت محظوظا فأنا أعرف حنظلة، كما أعرف اختلاس بعض لفافات التبغ ونفثها بعيدا عن أعين الأهل! في حين كان غيري لا يعرف سوى الأخيرة، بينما يجهل من هو حنظلة.
وحنظلة وصاحبه قيض لهما أن يدخلا التاريخ، وأن يصبحا مرجعا مهما عربيا على الأقل وإن صنف في قائمة أشهر الرساميين عالميا - لمن يتعاطى هذا الفن الخطير إبداعا أو تلقيا. ولعل أهم مزية اصطبغ بها عمله انتماؤه للفن الجاد ونأيه عن خفة الدم والتهريج، لذلك كانت رسائله موجعة، تقف خلفها قضية تلبست صاحبها تماما.
حضور حنظلة وكذلك ناجي العلي، هو حضور يومي، يقفز أمامنا فورا حينما نقف وجها لوجه أمام سفاهة أو سخافة أو ضحالة كاريكاتيرية، أو مخيلة نضب عطاؤها، أو غير مهيأة أساسا للعطاء. وسأقول دون تحفظ ان ناجي العلي قد صعب من فن الكاريكاتير كثيرا، وفضح الكثيرين من المدعين، وأصبح بحركة واعية أو لا واعية موضع مقارنة فورية مع غيره، وانتظم فنه في سلك (بضدها تتميز الرسوم أو تتقزم).
هكذا إذا حنظلة شاهد الفضيحة / الفضائح، وناجي العلي شاهد الفضيحة الفنية في يومنا هذا، وفيما سيأتي. وسيبقى رحيله تاريخيا عنيفا دمويا ونوعيا أيضا، ويبقى حنظلة صورته الصغيرة التي بدأت مشاكسة، شاعرة، مقاتلة، ثم استدارت الاستدارة الأخيرة مكتوفة الأيدي، بعد أن تلطخت يداه بعبق البرتقال، ولطخ الحيطان بخربشات بواكيره، ثم لطخ قلوبنا بإيقونة الفتى الصغير
العدد 6 - الأربعاء 11 سبتمبر 2002م الموافق 04 رجب 1423هـ