العدد 6 - الأربعاء 11 سبتمبر 2002م الموافق 04 رجب 1423هـ

حقوق الإنسان في الفكر العربي

لعل أهم المعوقات من دون استيعاب قضية الحقوق وجدانيا، اثنان يجيء أولهما من خارج الثقافة العربية ويجيء ثانيهما من داخلها. الأول: هو المثال السيئ الذي قدّمته الدول الديمقراطية الغربية في موقفها من حقوق الإنسان خارج حدودها، أي في العالم الثالث، ولا سيما في الوطن العربي والإسلامي. والثاني هو سطوة الأعراف الموروثة على تصرف الفرد متذرعة بالدين.

أعطت بعض الدول الغربية المثال الأسوأ لقدرة لا تضاهى على امتهان حقوق الإنسان خارج وطنها، والإنسان في الوطن العربي بشكل خاص. إن التحيز الرسمي السافر عند بعض الدول الغربية وعلى رأسها اميركا وإنجلترا لأبشع أنواع العدوان والفتك المبرمج على أيدي إسرائيل «الديمقراطية» لكرامة الإنسان وحقوقه في الحياة والتملك والأمن في فلسطين وسواها من الدول العربية المجاورة لفلسطين، هو نقطة عار سيخجل منها حفدة هذه الدول في المستقبل، لا وضع يدوم، و لابد من أن ينحسر إغراء إسرائيل وسحرها للغرب المبني من ناحية على توراتية يعمل باحثون غربيون كثيرون على إبراز هشاشتها، ومن ناحية ثانية على إغراء التحالف مع إسرائيل استراتيجيا ضد الوطن العربي، ومن ناحية ثالثة على اضطهاد الغرب لليهود عبر العصور وحاجة هذا الغرب إلى التكفير وتطهير الضمير. غير أن هذا التطهير قاد إلى دورة جديدة من الظلم والاضطهاد والقتل لشعب آخر. وسوف يقود إلى الحاجة إلى التكفير وتطهير الضمير في المستقبل، تماما كما اندفع بعض الغربيين في العصر الحديث إلى الاعتذار لنا عن العدوان الصليبي، وتماما كما يشعر به اليوم عدد وافر من الإنجليز إزاء الدور الفادح الذي لعبته بريطانيا في إقحام الصهيونيين علينا في أمن دارنا، في لحظة بريئة من تاريخنا الحديث، لحظة كانت مفعمة بالأمل والتفاؤل والنظر إلى مستقبل عربي وافر الكرامة موحّد الكلمة. كيف ترى ينظر الإنسان الواعي في إنجلترا وفي دول الاستعمار الغربي الجديد إلى وعد بلفور وإلى تلك الخدعة الخبيثة في معاهدة سايكس - بيكو التي قادت الأمة العربية إلى كل هذا العذاب الطويل؟

إلى جانب هذا التحيّز الذي يرفض أن يرى حقيقة الوضع الذي فرضته الصهيونية على ضمير الغرب ويرفض أن يرى هشاشة الادّعاءات الصهيونية وتلفيقاتها التي تريد أن تبني عليها، عبثا، دولة مستقرة في إطار عالم استعدته وأهانت كرامته، نجد بعض الدول الغربية تمعن في نقض الشروط الأولى لحقوق الإنسان، وتتناسى أن من أهم هذه الحقوق حق الإنسان في الحياة والدواء والتعلم والمسكن والأمن، فهي تمنع كل هذا عن أطفال العراق، تجيعهم، تقطع عنهم الغذاء والدواء وتستمرّ في تشويه حياتهم وتقويض مستقبلهم، وقد مرّ أكثر من عشر سنوات على حرب الخليج! لقد كانت هذه المواقف كلها التي تتناقض مع أبسط حقوق الإنسان أمثلة غاية في السوء، خالية من أي إحساس بقيمة الإنسان أينما كان، وتفتقر افتقارا مذهلا إلى الرؤية والحذق. فهي، إذ تبدي لامبالاة مذهلة بأجيال لم تولد بعد من أبناء الأمة العربية، بحياتهم ومستقبلهم، فإنها، في الوقت نفسه، تبدي لامبالاة أفدح بمستقبل العالم. ذلك لأنه لن يكون لهذا العام من مستقبل آمن زاهر ما دام الظلم والعدوان والاغتصاب والقتل يجد له نصيرا في الدول القوية التي تتحكم بمصير العالم اليوم وتعطي المثال على أن القوة التكنولوجية وحدها هي التي يجب أن تهيمن على الكرة الأرضية. وكيف في جوٍّ متناقض مع نفسه ومع أهم مبادئه يستطيع المبشرون بالحق والديمقراطية أن ينفذوا إلى قلوب مجتمع عربي يشعر بالاذى العميق من تلك الدول نفسها التي تعيّره بافتقاره إلى مثل لا تحافظ عليها هي، إلى دول تقول شيئا وتفعل شيئا آخر.

لا بدّ من أن يتغيّر العالم ويفطن، بتيقظٍ متزايد، إلى هذا الوضع الإشكالي ويثور عليه قبل أن يفلح في تهجينه نهائيا وقتل ضميره. إن العدوان الذي لحق ويلحق بالإنسان الحديث عن طريق التكنولوجيا المتطورة والهيمنة الاقتصادية لمراكز بعينها في العالم إنما يحدث الآن في عصر متفتح له ميراث طويل من الفكر النّير والفلسفة والشعر الراقي والأدب والفن والعلم، ولا بدّ من أن تبرز مواريث الإنسان الفكرية والروحية والجمالية في كل مكان، من أميركا نفسها إلى الصين، لتتصدّى لهذا الوضع المهّجن الذي يناقض نفسه وينقض فعله قوله. سيبرز في العالم إنسانيون جدد ومفكّرون جدد بعضهم لم يولد بعد، يسعون إلى حل إشكاليات التناقض الكبير بين القول والفعل وبين المثل العليا وفلسفة الاستحواذ والتسلط التي أصبحت علامة عصرنا.

لباب القول إنه في جوٍّ كهذا الذي نعيش فيه تصبح الدعوة لتأصيل حقوق الإنسان والتخلص من التعسف الداخلي محاطة بالتناقض، لأن أبناء الشعوب التي لا تراعى فيها، في كثير أو قليل، حقوق الإنسان المدنية لا تجد أمامها المثال الصادق الخالي من الزيف والتناقض لتحترمه وترى في النضال من أجله حلا لإشكالات حياتها، ويصبح بديهيا أن من الصعوبة بمكان إدخال الاقتناع الداخلي إلى قلوب الناس، وتأكيد القول إن تحقيق هذه الحقوق كما نص عليها إعلان حقوق الإنسان العالمي العام 1948م هي طريق الدخول إلى عالم الحداثة والانخراط في حركة العالم المتطّور، إذ تبدو الحداثة لهم قشرة وغلافا تضمر تحتها عدوانا لا إنسانيا وظلما وقهرا وحرمانا للإنسان المستضعف في هذا العالم.

ولا شك في أن الجزء الأكبر من الوطن العربي لا يرى في أميركا، وهي الداعية الأعلى صوتا في العالم لحقوق الإنسان كما نص عليها الإعلان العالمي، إلا سياستها المجحفة بحقوق الوطن العربي. وفي معالجة الوضع الراهن في الوطن العربي فيما يتعلق بحقوق الإنسان لا بد من أن يشير الإنسان المسئول إلى الخراب الذي نتج وينتج من مواقف الغرب المتحيزة ضد العرب. لقد وقفت هذه حاجزا منيعا أمام الأفراد والجماعات العربية التي تناضل لتأصيل حقوق الإنسان (ولا سيما السياسية منها وتلك المتعلقة بحقوق المرأة) في وطن عربي أذهلته المقاييس المتناقضة. لا شك في إن الوضع إزاء عدوان العام الخارجي واستخفافه المشهور بمقدّراتنا قد عطل، إلى حد كبير القدرة على الالتفات بقوّة واستبسال إلى مقاومة الوضع الداخلي، وأخّر كثيرا عمل المؤسسات التي أنشئت للدعوة إلى تطبيق حقوق الإنسان كاملة في الوطن العربي.

إن عددا من الأعراف الموروثة التي لا تبدو ملائمة لهذا العصر تأصلت اليوم متذرعة بالدين. ولكن أية دراسة لتاريخ الإسلام المبكّر تُظهر أن جل هذه التقاليد لا علاقة لها بالإسلام الصحيح أو بروحه. إن التذرّع بالدين ذو مناعة كبيرة، وان للتقاليد قدرة هائلة على الهيمنة على العقول. ليس من حل لهذا إلا بدخول الإسلام كدين مرن في مناخ الحداثة لأنه لا يشكو من القصور في مقدرته على استيعاب تطورات الإنسان وتحويلها إلى المسار الأفضل والأنسب. ليس في الكون متدين متمسك بشعائر الدين يجرؤ على القول إن الإسلام ليس دينا قادرا على استيعاب تطورات الإنسان عبر العصور وتوجيهها لتظل على الطريق الأمين. نحن هنا نتحدث عن عصر حديث بعيد كل البعد عن القرن الأوّل الهجري، عن تلك البهجة المتفتحة على العالم والإنسان، الداعية إلى خير البشر وصلاحهم. الخطاب الديني الأول في الإسلام تحدّث عن دين هو خاتمة الأديان وهذا يضع مسئولية قصوى على رجال الدين الذين يحبسونه دون التطوّر ويسدون عليه منافذ الانفتاح. والحق أن الإسلام في نهاية القرن التاسع عشر، أيام الأفغاني ومحمد عبده، كان أكثر مرونة وانفتاحا على العصر منه في نهاية القرن العشرين.

إن أكبر نقص في حياتنا المعاصرة هو الافتقار إلى قدرة الإنسان على المشاركة فكريا في تعبيره عن رغبته في تحديث الحياة العربية من جميع جوانبها. لم نعد نملك الوقت لننتظر دهورا حتى نملك حريتنا على التفكير والتعبير. لم نعد قادرين، في ظل التسارع الذي نشاهده في العالم لتطوير الحياة الإنسانية، على أن نصبر دهورا حتى نصل أخيرا إلى الوعي الوجداني واليقين المتغلغل في النفس بأن لنا حقوقا مقدسة امتهنها الزمن قرونا طويلة، وتكالب عليها العدو الخارجي والداخلي بشراسة مطمئنة، ولا بدّ من أن نستردّها. لقد ترسخت في عالمنا مثالب كثيرة وسلبيات نافعة وأعراف مزرية في التعامل والتواطؤ والاستسلام، وترسخ الظلم والظلامية والشك والعدوان الفردي والسلطوي، كما ترسخت التفرقة الإقليمية (وفيها الدمار الأكبر) والجهل السياسي المثير للشفقة، الذي قادنا إلى عذاب كبير. ولست أشك لحظة واحدة في أن أعظم فاجعة تحيق بنا، على فواجعنا الكثيرة، هي الخنق المستمر للفكر والخرق الفادح لحقوق الإنسان في الحياة العربية. من لا يملك حريته المشروعة ، وقدرته على التعبير، ومن لا يرى حقوقه السياسية مصانة مكرّمة، لا يستطيع أن يقاوم العدوان الشرس، الطويل في التاريخ، المتطاول نحو المستقبل، على كياننا وثقافتنا وهويتنا وانجازاتنا، ويدرك أخطاره المرعبة.

باحثة فلسطينية، والمقال من مقدمة كتاب «حقوق الإنسان في الفكر العربي» مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2002

العدد 6 - الأربعاء 11 سبتمبر 2002م الموافق 04 رجب 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً