العدد 9 - السبت 14 سبتمبر 2002م الموافق 07 رجب 1423هـ

«أوبك» تطوي مرحلة وتدخل مرحلة أخرى

بعد أربعة عقود

الوسط - عبدالحميد عبدالغفار 

14 سبتمبر 2002

في مثل هذا اليوم من العام 1960 تأسست منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، والتي تتكون من 11 دولة تعتمد موازناتها اعتمادا كبيرا على الايرادات النفطية كمصدر أساسي للدخل، لذا تُعد الإيرادات النفطية مصدر التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلدان الأعضاء.

تأسست المنظمة في العام 1960 بعقد مؤتمر في بغداد في الفترة من 10 الى 14 سبتمبر/ أيلول 1960 وبحضور كل من إيران، والعراق، والكويت، والسعودية، وفنزويلا، وهم الدول الأعضاء الخمس المؤسسين للمنظمة. وتهدف إلى ضمان استقرار سوق النفط العالمية، من خلال ضمان توازن العرض والطلب في السوق العالمية.

تساهم منظمة 'أوبك' بحوالي 40 من إجمالي النفط العالمي، وتمتلك أكثر من 75 من إجمالي الاحتياطي العالمي. وخلال عقد من الزمان قفز عدد الدول الأعضاء إلى عشر دول نفطية. اما الدول الأعضاء الحاليون في المنظمة فهم الجزائر، وإندونيسيا، وإيران، والكويت، وليبيا، ونيجيريا، وقطر، والسعودية، والإمارات، وفنزويلا.

انتقل مقر المنظمة من جنيف إلى فيينا في العام 1965، وخلال تلك الفترة اتخذت الكثير من القرارات، وتمكنت من الدخول في نقاشات مع الشركات العالمية الكبرى التي أقلقها نفوذ المنظمة في سوق النفط الدولية. ويحرص وزراء النفط والطاقة في الدول الأعضاء على الاجتماع بمعدل اجتماعين في السنة في الظروف العادية، بينما تعقد اجتماعات استثنائية اذا تطلبت الظروف والمستجدات ذلك.

التطورات المرتقبة في سوق النفط العالمية

أدخلت الولايات المتحدة ـ بمشيئتها ـ دولا جديدة لمفهوم الشرق الأوسط والذي ضمّنته بجانب الدول العربية الآسيوية والأفريقية كلا من تركيا وإيران وإسرائيل، اما بعد الهجمات على نيويورك وواشنطن اصبح مفهوم الشرق الاوسط يشمل آسيا الوسطى التي شهدت في السنوات القليلة الماضية صراعات بالغة الحساسية وان لم تسفر عن دخان، لقد بدأت قسمات تلك الخلافات على ضفاف بحر قزوين وما حوله.

أوزبكستان وأذربيجان وتركمانستان وطاجيكستان وكازاخستان وقرغيزستان وأفغانستان، دول واعدة باحتياطات الطاقة، بينما لم تفلح جهود العلم بعد في الوصول إلى بديل مجد اقتصاديا للنفط والغاز، لهذا قفزت دول منسية في وجه الأحداث، لتندلع بذلك حرب «خفية» حول الاحتياطات الواعدة، وهذا سيشكل اهم تحد لـ «اوبك».

إن بحر قزوين الذي عرفه العرب ببحر «الخزر» هو اكبر مساحة على سطح الكرة الأرضية تحت سطح البحر (28,5 مترا)، فمساحته تقارب مساحة بريطانيا، حيث تبلغ حوالي 518 ألف كيلومتر مربع، وقد شهد قبل أحداث نيويورك وواشنطن نزاعات بعد تنقيبات أذربيجانية في مياهه لم تنتهِ بصدامات عسكرية، بيد انه فتح ملف مفاوضات بين الدول المطلة عليه، ففي فبراير/ شباط 2001 مثلا عقدت في طهران إحدى المفاوضات بين البلدان الخمسة المطلة عليه لمعالجة مشكلات استغلال ثرواته. والمشكلة ما انفكت قائمة حول كيفية الاتفاق على اقتسام الجرف القاري للبحر واستثمار ثرواته الهائلة، وخصوصا أن الاتفاق بين إيران والاتحاد السوفيتي السابق بشأنه، والموقّع في العام 1958 لم يعد قائما مع تفكك الأخير، ويبدو أن أميركا قد حشرت نفسها في تلك المفاوضات، وقد بدأت من أذربيجان، واصبح «حيدر علييف» أكبر المتعصبين الليبراليين، بعد أن كان اكثر «الشيوعيين» تشددا !

بحر قزوين لم يثر قريحة أميركا عندما كان أهم مصادر الذهب الأزرق، بل لم يلتفت إليه الغرب على رغم احتوائه على 49 صنفا من الأسماك، بجانب كونه اكبر مصدر للكافيار. والحقيقة تقول اليوم انه مصدر مهم جدا للذهب الأسود. كازاخستان مثلا لم تكن طيلة عقود مضت دولة نفطية، بيد أنها أصبحت وفقا لإحصاءات الطاقة الدولية الصادرة في العام 2001، مصدرا لاحتياطي نفطي يقدر بحوالي 8 بلايين برميل في العام 2000، وبذلك يصبح لديها بعد التنقيبات «الأولية» ما لدى البرازيل أو الجزائر من النفط. وما يقال عنها يقال عن جاراتها، فأذربيجان على سبيل المثال لا الحصر، اصبح لديها بعد التنقيبات «الأولية» ما يفوق احتياطات كندا من النفط، حيث قدر احتياطيها بحوالي 6,9 بلايين برميل، مقارنة بحوالي 6,4 بلايين برميل لكندا. وهلم صعودا. ولنتذكر أن كل ذلك نتاج تنقيبات أولية فقط!

اما بالنسبة للاحتياطات الغازية، فقد اصبح لتركمانستان 2860 بليون متر مكعب في العام 2000، أي حوالي ضعف ما لدى الكويت أو ليبيا مثلا، حيث يبلغ احتياطي الكويت 1490 بليون متر مكعب، مقابل 1310 بلايين متر مكعب لليبيا. أما أوزبكستان وكازاخستان، فاحتياطاتهما الغازية تفوق ما لدى الكويت وليبيا ! والأمر سيختلف كلية إذا سنح الوقت ووجدت الاستثمارات لتوظيفها في استكشافات إضافية.

من جهة أخرى، تحظى أميركا بأكبر ناتج محلي عالمي (22,7)، وتأتي في الترتيب الأول من حيث الاستهلاك النفطي، حيث بلغ استهلاكها اليومي 18,8 مليون برميل في العام 2000، مقارنة بحوالي 73,9 مليون برميل لمجمل العالم، وبذلك فنصيبها منه 25,36. من المهم هنا الإشارة إلى أن الاحتياطي النفطي الأميركي على رغم الاستكشافات الحثيثة، انخفض من 33,8 بليون برميل العام 1990، إلى 29,7 بليون برميل العام 2000، بانخفاض 12,1.

أما بالنسبة إلى استهلاك الغاز، فتحتل الولايات المتحدة الترتيب الأول عالميا، حيث تحظى بنسبة 27,2 من الاستهلاك العالمي. أما احتياطيها منه فقد انخفض من 5,4 تريليون متر مكعب العام 1980 إلى 4,74 تريليون تر مكعب العام 2000.

إذا، فالقضية ليس طالبان ولا القاعدة، فهما معا ليسا قوة عظمى في مواجهة القطب الأوحد، ويبقى الهدف متمثلا في إدغام مسارات جديدة في البعد الاستراتيجي الأميركي بالاستفادة من الأحداث الدراماتيكية الأخيرة، وذلك عبر السيطرة على آسيا، وما يحدث هو ذريعة للسيطرة على آسيا الوسطى، أو ما يمكن أن نطلق عليه الشرق الأوسط بمفهومه الواسع، ويبدو أن الاتحاد الأوروبي يتطلع بدوره لاقتسام ثمار هذه الهيمنة المعاصرة.

«أوبك»والدورة الاقتصادية

«الانكماش الاقتصادي» هو مرحلة تتميز من بين مؤشرات أخرى بانخفاض الإنتاج وتدهور الأسعار وارتفاع معدلات البطالة، وهو كذلك يمثل فترة حرجة في الدورة الاقتصادية تتميز بتراجع القيمة المضافة لقطاعات الناتج المحلي الإجمالي. وقد أتت الاعتداءات على نيويورك لتمعن في الانكماش الذي لابد وان تتضرر منه كل الدول المنتجة للنفط، حيث ان النفط مدخل رئيسي في إنتاج الدول المستهلكة للنفط.

إن موقف «اوبك» كما اظهرته الحوادث لا يعطي الدورة الاقتصادية الأهمية اللازمة، فالكميات المنتجة من النفط لا تحتكم بعلامات الانكماش! وأمام «اوبك» اليوم مواجهة حقيقة تباطؤ الطلب العالمي على النفط الذي يتجه بموازاة حالة الانكماش، وربما الكساد الذي يعني من بين ما يعنيه تراجعا كبيرا في الإنتاج.

إن مصادر الضغط على «اوبك» لديها قدرة لِلعب بأوراق حاسمة، ليس من خارج المنظمة، بل ومن داخلها أيضا! فبعيد الهجمات على مركز التجارة منحت اميركا العراق هامشا «آخر» لرفع إنتاجه إلى 2,5 مليون برميل يوميا، بعد أن كان قبيل الهجمات لا يتعدى 1,3 برميل يوميا! هذه ورقة واحدة رماها مَصْدَر الضغط على طاولة اللعِب ، فأرضانا بتخفيف الوطأة على شعب العراق الشقيق، وعاد بعدها يوغل في معاناته عبر زجّه في حقبة كالحة السواد، ولكنه بهذا «لخبط» ايضا مسارات أوبك.

امام «اوبك» مرحلة تتطلب دمج المنتجين الجدد في صفوفها، وامامها التقيد بحصصها الانتاجية، والتضحية بكمية من الانتاج مقابل لجم الاسعار العالمية، وامامها دراسة حال الاقتصاد العالمي قبل اتخاذ القرار بضخ العرض في السوق الدولية، وامامها تنويع مصادر دخلها، والاهم من كل ذلك هو تقدير كلفة نضوب مواردها الطبيعية غير المتجددة، حيث لا بد من التمييز بين «الدخل» و«الثروة»

العدد 9 - السبت 14 سبتمبر 2002م الموافق 07 رجب 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً