النحت الميداني هو اللمسة الجمالية التي تضفي على الميادين طابعا جماليا ويحمل قيما معمارية تمثل أهم ما يميز العمارة المحلية، فهو خطوة نحو إحداث الجماليات ونشر الوعي الجمالي والحضاري لأفراد المجتمع كافة وبما يمتلكه من قيم نحتية تتمثل في الشكل والفراغ والبعد الثالث وعمق العناصر التي تم تجسيدها متضمنة تلك القيم التي سادت في نسيج عمل رائع ناصب للذكرى، يذكرنا بماضينا العريق الذي يمتلئ بروائع الفنون وفي شتى المجالات.
لقد اهتمت المملكة بالجانب الجمالي في شوارعها وقامت برعاية الميادين فأقامت الكثير من النصب التذكارية في مداخل مدن المملكة، وخصوصا في الدوارات لكي يتسع لها المنظور المرئي، ومن أهم تلك الإنجازات التي قامت على أرض البحرين حديثا إقامة ذلك النصب الموجود في دوار الرفاع.
ودوار الرفاع يعتبر من أهم النصب التذكارية التي أقيمت حديثا، إذ يتمتع بقيمة معمارية عالية، والنصب التذكاري في جملته تحفة معمارية جمعت بين أهم مميزات العمارة الإسلامية والعربية وخصوصا الخليجية، وعندما ننظر إلى النصب نظرة تشكيلية نجد في تكوينه العام ما يقارب من الشكل الهرمي وفيه استطالة لأعلى وهو من النظرة الأولى يثير الانتباه بما يحمله من قيمة تعجبية عن ذلك التوليف المنسجم بين العناصر المعمارية التي يحتويها.
وإذا قسمنا النصب مجازا لثلاثة أجزاء لكي نستطيع الخروج بالقيم التشكيلية التي تميز أهم ملامحه، فالجزء الأول يحتوي على البناء المعماري الذي له فتحة على هيئة أقواس منكسرة والموجودة في معظم المساجد والبيوت القديمة، وقد توحي لنا بالقيسارية التي يكون سقفها مقوسا للداخل، والنصب له أربعة جوانب، والمسقط الأفقي للنصب على شكل مربع، وتوجد على أركانه الأربعة أنصاف أبواب متقابلة ومتباينة في المقاس وهي واجهة لأبواب، وقد طويت من المنتصف وتتقابل مع أخرى ذات حجم أكبر منها، وهي تمتع عين الرائي عند النظر إليها لجذبها للعين باستمرار وإحداث إيقاع بصري متناغم، ولقد كان ذلك التقابل في شكل متتابع جميل.
ولعب ذلك التتابع أهمية في جذب النظر تدريجيا من الخارج إلى الداخل وإلى أعلى.
أما الجزء الثاني وهو الأوسط فيحتوي على شرفات في جهاته الأربع متصلة ببعض من الداخل ويمرّ من خلالها الهواء، وهي تذكرنا بأبراج الهواء المنتشرة في البحرين، ومن بداية هذا الجزء تنحرف الأركان الأربعة إلى الداخل ثم تأتي أعلاها تدريجات مربعة تذكرنا بالمقرنصات لتصل إلى الشكل الرباعي ثانية في نهاية الجزء الثاني، ويرتكز على أضلاعها خروج نصف دائري إلى أعلى لتتمركز فيه ساعة ميدانية كبيرة تراها الجماهير من جميع الجهات تاركة فراغا مرئيا خلفها ليأتي الجزء الثالث وقد وجدت بروزات تعطينا الإحساس بالسقوف الخشبية الموجودة في البيوت البحرينية القديمة، ثم تأتي كتابة كلمة الرفاع رمزا للمدينة في أعلى النصب التذكاري، وبلون أحمر مغاير للون جسم النصب، ثم تعلوها مجموعة أعمدة منتصبة بتشكيل بارز وغائر توحي لنا بنهاية منارات المآذن في المساجد، وهي عبارة عن تداخلات على شكل مثلثات بارزة وغائرة في إطار دائري، ثم يخرج من أعلى النصب علم مملكة البحرين.
لقد اكتسب النصب التذكاري الموجود في دوار الرفاع قيما جمالية وقيما ثابتة من حيث كونه جاء معبرا عن روح العمارة البيئية ومتضمنا الكثير من المفردات الجمالية التي تميز العمارة الإسلامية والعربية والخليجية وتأكيدا لانتمائه إليها شكلا ومضمونا
العدد 42 - الخميس 17 أكتوبر 2002م الموافق 10 شعبان 1423هـ