تتدخل التكنولوجيا في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا شئنا ذلك أم أبينا. ولعلها ضريبة التحضر الذي أنتجته الأنامل البشرية على مر العصور. لقد أصبحنا نعيش حياة أشبه ما تكون بمقطورات في قطار سريع يحوي خليطا من صنوف وأنواع البشر، يقف فيه البعض من شدة الازدحام ويجلس فيه البعض يرتقب الوصول، وكل يهيم في شأنه ولا يلتفت لمن هم حوله، يفكر في الخطوة التالية التي سيخطوها عندما يترجل من القطار.
لقد أصبحنا نعيش في أجواء دخانية مشبعة بالأكاسيد التي تطول أرواحنا فتصبغها بألوان رمادية كئيبة، وتجري دماؤنا في شرايين مغلفة بأشرطة بلاستيكية تحفظها من التحلل. ولا ننسى قلوبنا التي أصبحت في صلادة الجليد وبرودته. أي زمن تعيس هذا الذي نعيشه؟
يبدو أننا نترجم المقولة الشهيرة «على قدر ما تعطي، على قدر ما تأخذ» ونحن بالفعل أعطينا الطبيعة والعالم والأرض إزعاجا وتلوثا وشحنات كهربية وأخرى غير أخلاقية وها هي تعطينا الملل والنزق والأحاسيس المعلبة.
لعلها بداية كئيبة لا تتناسب والأجواء المرحة التي تتقافز على كتف أيامنا الرمضانية، ولكنها ظلال قاتمة تسربت وكبرت على حائط نفسي عندما وجدت الجميع - وأعني الجميع - يرسل الرسائل الالكترونية ليبارك بقدوم شهر رمضان، ووجدت البعض - وأعني البعض - يحمِّل نفسه مشقة زيارة أقرب الأقربين ليبارك لهم بقدوم الشهر الفضيل من دون وسائط الكترونية أو عبارات مقتضبة.
إننا بحاجة حقيقية للتواصل من دون وسائط الكترونية تسيطر على معلوماتنا وآرائنا وحتى أذواقنا. وقد لا يعي البعض أهمية مثل هذا النوع من التواصل، لكنه يحمل قدرا من الصدقية والحقيقية ما لا يمكن للرسائل الالكترونية أن تنقله أو تبينه. أمر آخر: إن هذه الرسائل متناقلة ومكتوبة من أشخاص لا نعرفهم، لا تكبدنا أي عناء في قراءتها وإعادة إرسالها إلى أصدقائنا وأحبائنا وكل أعزائنا، ولا نعلم هل سنكون نحن أول المرسِلين لهذه الرسالة أم مجرد رقم على قائمة مرسلي الرسالة ذاتها بشكل قد يضايق صاحب الهاتف، لكن يمكنكم تخيل مدى سعادة المرء ببيت شعر يكتب له، أو كلمة طيبة تقال له، أو زيارة مباركة تزيد من أجر الضيف والمضيف على حد سواء، وتحسسه بأهميته وحاجة الضيف للإبقاء على علاقتهما والتأكيد على أواصرها متينة وقوية.
على الماشي
إن غبت تدري وش ورا غيبة الجور
أقلها فيني تموت البشاشة
وإن قلت أبا البس للفرح حس وشعور
عطر الحزن فيني تكسر غراشه
العدد 66 - الأحد 10 نوفمبر 2002م الموافق 05 رمضان 1423هـ