جدد إخفاق آثاريين أميركيين في اكتشاف غرفة الملك خوفو داخل هرمه الأكبر والتي جرت وقائعها باستخدام ربوت آلي قبل أسابيع، الحديث في أوساط شعبية وعلمية عن لعنة الفراعنة وارتباطها بالسحر عند المصريين القدماء وكتابة الملوك على مقابرهم إن من يتعرض لها بسوء، فإنه سيصاب باللعنة، وأن من سيدخل المقابر فإن طير الموت سيدخل إليه بجناحيه. وكانت أنباء تواترت قبل أيام عن إصابة أحد أفراد فريق البحث العلمي بمرض غامض أقعده عن العمل، ويقول خبراء الآثار في مصر إن لعنة الفراعنة ارتبطت بعملية التحنيط للمومياوات المصرية القديمة ويقولون إن نصا مكتوبا بالهيروغليفية على باب الغرفة الثانية التي وجد فيها القناع الذهبي في مقبرة «توت غنخ آمون» بالأقصر، يقول: «اللعنة» على من يزعج الفرعون في نومته الأبدية.
وحديثا تجدد الحديث في الصحافة البريطانية وخبراء الآثار الإنجليز عن لعنة الفراعنة، للدرجة التي جعلتها تسري إلى الأوساط العلمية والأثرية في بريطانيا لتحليل الظاهرة ودراستها، ويرجع باحثون بريطانيون الحوادث الغريبة التي تصيب الاثاريين الغربيين عقب كل اكتشاف أثري فرعوني إلى سببين الأول: أن القدماء استخدموا السحر، والاستعانة بالجان لحماية مقابرهم، وتهديد من يتعرض لها بالسوء، أما السبب الثاني: فيرجع إلى استخدام قدماء المصريين للمواد المشعة الموجودة في طمي فيضان النيل التي بدأ تحديدها في المختبرات باسم مادة الألمنيوم المشع، الذي يتسبب مع إغلاق المقابر لفترات تتراوح بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف وخمسة آلاف عام، والانفصال بين جوها الداخلي والظروف الطبيعية في الخارج، في أن تصبح جدران المقابر وجوها من الداخل مشبعة بالمواد المشعة.
ويشير زاهي حواس خبير الآثار إلى أن كهنة الفراعنة استخدموا المواد المشعة خلال عمليات التحنيط لتحقيق هدفين في وقت واحد، أحدهما الحفاظ على الجثة من التعفن لأطول فترة ممكنة، والثاني حماية آثارهم من لصوص المقابر والمتطفلين، ويستنتج حواس أن المصريين القدماء كانوا يستخدمون المواد المشعة في دهان الجسم ضمن المواد الشمعية بعد الانتهاء من عمليات التحنيط، إضافة إلى وضع جزء منها داخل تجويف البطن بعد نزع المعدة والأمعاء.
ويرفض حواس كل التفسيرات السابقة. ويعتبر أن مردها إلى القضاء والقدر وليس إلى لعنة الفراعنة، أو ارتباط ذلك بالسحر. ويتساءل: هل يمكن أن نتصور فتح مقبرة أثرية بعد 4 آلاف عام معبأة بالبكتيريا والجراثيم من دون أن تسبب أضرارا لزائريها الذين قاموا بفتحها؟ ويجيب إن الدراسات العلمية أثبتت أن الأسباب التي تؤدي إلى إحداث ضرر لفاتحي المقابر الأثرية مرده في الأساس إلى وجود ميكروبات بها، وليس نتيجة ما أطلقه الإنجليزي «كارتر» عن لعنة الفراعنة.
ولا يتوقع حواس أن يكون للجان تأثير على زائري هذه المقابر، على رغم التهديدات التي يطلقها أصحابها. وإن كان لا يرفض استعانتهم بالجان، الذي يزول بوفاة أصحاب هذه المقابر.
ويضيف أن الصحافة العالمية استغلت ما يسمى بلعنة الفراعنة، وبدأت منذ الأربعينات اللعب على ورقة لعنة الفراعنة، وإثارة فرقعة صحافية حولها، واستندوا إلى اكتشافاتي في وادي المومياوات فعندما كنت أقوم بفتح المقبرة ينقطع الكابل الكهربائي فضلا عن أن السينما العالمية اهتمت بظاهرة مسمى لعنة الفراعنة، وقامت بإنتاج الأفلام حولها.
ويؤكد صبري عبدالعزيز، الأثري، أنه على رغم عدم تعرضه لأية مظاهر سلبية عند اكتشاف المقابر الأثرية أو فتحها، فإن الكثير من المنقبين تعرضوا لمخاطر نتيجة فتحهم لهذه المقابر، وأرجعوا ذلك إلى السحر، وارتباطهم بالجان، وهذا كان معروفا عن المصريين القدماء، ومع أنه لا يتفق تماما مع تأثير السحر إلا أنه يؤكد أن للفيروسات دورا في التأثير السلبي عند فتح هذه المقبرة الأثرية لعدم تهويتها نتيجة لغلقها طوال آلاف السنين، وهذا الرأي - كما يقول - ينفي التهديدات التي كان يكتبها القدماء على مقابرهم أن من يقترب منها، فإن الأرواح الشريرة ستطارده وتحطم جسده، وتنال من عينه اليمنى، بحسب أحد النصوص الموجودة في مقابر وادي الملوك بالأقصر.
وبما أن هناك ارتباطا بين السحر وانتهاك حرمة المقابر الأثرية، كان من الضروري تناول هذه العلاقة التي يشير إليها عميد كلية الآثار بجامعة القاهرة عبدالحليم نورالدين بأن استخدام القدماء للسحر كان بغرض حماية المخلوقات البشرية، وفي بعض الأحيان لحماية كبار الملوك، وفي بعض الاستعمالات دفاعية كأن يعطي الرب السحر للبشر كسلاح ضد الشدائد وعاديات الدهر، ولذلك استعملت الطلاسم للأغراض الدفاعية، وكانت على هيئة تمائم لحماية الجسم من الأذى، وكان وجوده عنصرا اجتماعيا، وإيمانا مطلقا بالقوة الخلاقة للصوت والتمثال.
وفي بعض المناسبات كان السحر يستخدم التهديدات فيربط مصير الشخص المريض بمصير الكون إذا لم يشف هذا المريض فستقع السماء فوق الأرض، ولن تشرق الشمس بعد ذلك... إلى غير ذلك من الوعيد الذي كان يطلقه ضد من ينتهك حرمة مقابره. كما استخدم القدماء السحر لحماية مصر وملكها من أي هجوم يشنه أعداؤهما الأجانب، فكانت هناك طرق عدة كلها مصحوبة بالسحر «السري»، فتصنع تماثيل صغير وتكتب عليها أسماء الأمم أو أسماء رؤساء القبائل التي يرهب جانبها، ثم تقطع أوصال هذه التماثيل، أو توطأ تحت الأقدام، أو تحرق أو تدفن، كي يصبح من تمثلهم عديمي الضرر. أما استخدام السحر الضار في الأغراض الشخصية فكان نادرا جدا ومن أمثلة هذا النوع ذلك الشخص الذي أخذ في عهد رمسيس الثالث بعض النصوص السحرية الملكية، وصنع تماثيل من الشمع وبعض التعاويذ لكي يلقي تعويذة على حرس الحريم.
وبهذه الطريقة نفسها إذا تليت تعويذة على تمثال من الشمع لتمساح حولته إلى تمساح حقيقي. وبمثل هذه الطريقة استطاع الكاهن المرتل «أوباونر» أن يزيح من طريقه أحد منافسيه. وتوضح ذلك قصص السحر في العصر البطلمي وأوراق البردي السحرية الخاصة بالدولة الحديثة والنصوص القصيرة التي تضمنتها كتب السحر في عصور متأخرة.
ولذلك لعب السحر دورا مهما في الحياة اليومية في مصر القديمة، وكان دفاعيا بصفة عامة وعدائيا في حالات نادرة، واستعمل لمصلحة الدولة والمعابد، ولفائدة المرضى ومن كانوا يخافون الاصابة بالمرض، كما كان وقاية ضد الاشباح وضد الحوادث، ووقاية الموتى شر الشياطين في العالم السفلي، ويجنبهم الموت مرة ثانية ويحفظهم من الجزع اذا اهمل أقاربهم الاحياء تزويدهم بالتقدمات.
وفي بعض الاحيان كان يضمن النصر في المواقع الحربية والحظ الحسن، فكانوا يزودون تاج الملك بالسحر، فضلا عن انهم جعلوا ملكا للسحر يمثل قوة الحركة لهم
العدد 78 - الجمعة 22 نوفمبر 2002م الموافق 17 رمضان 1423هـ