العدد 78 - الجمعة 22 نوفمبر 2002م الموافق 17 رمضان 1423هـ

هكذا أسقطوا الطائرة المدنية الليبية بركابها في صحراء سيناء بدم بارد

صفحة سوداء من تاريخ الإرهاب الإسرائيلي

من الواضح جدا أن «اسرائيل» تمارس ارهاب الدولة المنظم ولم تترك وسيلة من وسائل القتل والتدمير الا ومارستها، جربت القتل الجماعي والاغتيالات بكل أنواعها، كل شيء مباح في سبيل تحقيق ما تريده، بل يمكن القول بكل بساطة إن صنوف الارهاب المتنوعة والمتعددة والممارسة عالميا ليست الا من نتاج الفكر الصهيوني القائم على العنف، والمتخذ من فلسفة الغاء الآخر مبدأ ينطلق منه، من هنا يمكننا أن نذكّر بما قاله أحد المفكرين الغربيين، كأنه كان يتنبأ بما سيصل اليه الصهاينة، يقول «جوداس ماجينس»: «الصوت اليهودى الجديد يتحدث من فوهة البنادق، لقد اقتيد العالم إلى جنون القوة».

وجنون القوة هو الذى جعل «اسرائيل» تمارس عربدتها، وتنظر إلى الآخرين على انهم قطعان يضحى بها من أجل الوصول إلى الغايات، وطبعا لايحق لها الاحتجاج، وجنون القوة هو الذى جعل العالم يتغاضى عما ارتكبته «اسرائيل» بحق العرب من جرائم ليست أحداث الحادى عشر من سبتمبر/ ايلول 2001 الا أمرا بسيطا أمام هول الارهاب الاسرائيلي.

لقد نظر الاسرائيليون الصهاينة للارهاب وفلسفوه، وجعلوا منه محور وقائعهم، وليس هذا وحسب، بل انهم نقلوا تهمة (الارهاب) إلى الآخرين وأعدوا ما يجب لمحاربة (الارهاب) وما على العالم الا أن يأخذ بما تقول به «اسرائيل» التي تبحث في تاريخ الأمم والشعوب، وتعيد مع الولايات المتحدة الاميركية البحث في أحداث الماضي ووقائعه محاولتين اضفاء صبغة (الارهاب) على الكثير من أعمال المقاومه والنضال.

واذا كان من حق أحد أن يعود إلى الماضي ويصنف (الارهاب) فهو العرب، من حقهم أن يذكروا العالم بأن ما مورس على الشعب العربي من ارهاب اسرائيلي، مدعوم غربيا واميركيا، ليس بالامر القليل أو الهين، حتى ليمكن القول اننا قادرون ومن خلال وقائع الماضي والحاضر القريب، وربما المستقبل المقبل، قادرون في ذكرى المجازر على تذكر أسماء لآلاف من الضحايا، بل يمكن القول انه كل يوم تمر ذكرى مجزرة أو أكثر، واعادة التذكير بهذه المجازر ليس من باب الاثارة، وانما لتذكير العالم المتناسي والمشغول الآن بمحاربة (الارهاب)، تذكيره اننا كنا، وما زلنا ندفع ثمنا للارهاب المنفذ بنا قولا وعملا، والمتهمون بممارسته لرفع التهمة عن (ارهاب الدولة) الذى تمارسه «اسرائيل».

هكذا أسقطوا طائرة الركاب الليبية

من صفحات الارهاب الاسرائيلي الأسود الكثيرة آثرنا أن نعرض لكارثة الطائرة الليبية المدنية التي أسقطتها «اسرائيل» في الحادي والعشرين من فبراير/ شباط 1973.

كان الحدث كارثة بكل ما في الكلمة من معنى، كارثة انسانية أولا، وسياسية ثانيا، اذا لم ير العالم هول ما حدث الا من خلال العين الاسرائيلية، بعد عشرين عاما تقريبا على وقوع الكارثة أفرجت السلطات الاسرائيلية عن بعض أسرارها، ونشرت صحيفة «يديعوت أحرنوت» في السادس من أكتوبر/ تشرين الأول 1992 لقاء مع قائد طائرة (الفانتوم) الذى أسقط طائرة الركاب الليبية، ومع أن اللقاء مر عبر (الفلترة) الاسرائيلية، فتم تهذيبه وجمّل، لكنه ظل يحمل الكثير من الاتهامات التي يجب ألا تمر من دون التوقف عندها.

تقول الرواية إن طائرة الركاب الليبية انطلقت من مطار مدينة بنغازى في الساعة الثانية عشرة وأربعين دقيقة ظهرا في الرحلة رقم (414) على طائرة (بوينغ - 727) التي أقلعت في الصباح ذاته من مطار طرابلس الغرب، وكان منتظرا أن تهبط في مطار القاهرة الدولي الساعة 14,30 تقريبا، وقد حملت على متنها رجال أعمال ليبيين ومصريين وأشخاصا عادوا من زيارات عائلية، ونساء وأطفالا لاصقت أنوفهم زجاج النوافذ وقت الاقلاع من أجل القاء النظرة على المدينة المبتعدة، الطيار هو الفرنسي «جاك بور جاس» المنتدب من شركة «اير فرانس» ومعه المعاون الليبي «عواد مهاوى».

وفي الساعة 13,13 مروا فوق منطقة «سيدى براني» البلدة المصرية على الحدود الليبية، ودخلوا المجال الجوي المصري، وفي برج المراقبة في مطار القاهرة الدولي سجلوا التقرير الأولي عن سير رحلتهم، الارتفاع هو 29 الف قدم، والجميع على ما يرام، خلال ساعة سيصلون إلى موقع الهبوط.

أما على الجانب الاسرائيلي فتقول الرواية إنه تم الابلاغ عن طائرة تسير بسرعة النفاثة، وعلى الفور أقلعت طائرتان من طراز (فانتوم)، اكتشف أجهزة الرادار والطيران الاسرائيلي طائرة (البوينغ - 727) فورا، وبعد ثلاث دقائق من الاقلاع توضعت طائرتا (الفانتوم) وراءها مباشرة على مسافة 50 كيلومترا فوق صحراء سيناء، أما الطيار الفرنسي فقد أدرك ومن معه انهم تاهوا وانهم بعيدون عن المكان الذي يتوجهون إليه وذلك بسبب سوء الاحوال الجوية، اقتربت طائرتا (الفانتوم) من الطائرة الليبية حتى مسافة 2 - 3 أمتار، وقد عرف قائد السرب (شركة الطيران الليبية) وقرأ الرقم الموجود على الطائرة، وأبلغ المعلومات إلى الجهة المسئولة، وبهذه اللحظة دخل برج المراقبة في القاهرة على شبكة الاتصال مع الطائرة الليبية وأبلغوها أن مكانها غير معروف، ورد الطيار الفرنسي قائلا: «يبدو أن لدينا مشكلة في الاتجاه» وأردف قائلا «هناك أربع طائرات حربية تتعقبنا».

الطائرتان الاسرائيليتان تجاوزتا الطائرة وتوضعت احداهما أمامها وأدى التيار النفاث الذى صدر عن محركات الطائرة المقاتلة إلى أرجحة الطائرة المدنية، وأشار الطيار الاسرائيلي على قائد الطائرة الليبية بالهبوط، وفهم الطيار ومساعده الإشارة، وقامت (البوينغ - 727) بانعطاف بسيط نحو الشرق، وانخفضت إلى ارتفاع خمسة آلاف قدم وهي تقوم بتنفيذ أمر الهبوط، ولم تمر دقائق قليلة من محاولة الطيار الفرنسي تصحيح الاتجاه، أو حتى محاولة الهبوط، حتى جاء أمر قائد سلاح الجو الاسرائيلي الجنرال «موردخاي هود»: «أسقط الطائرة»، كانت الطائرة الليبية على مسافة 20 كيلومترا عن قناة السويس، ولا تحتاج الا لدقيقة أو دقيقتين للوصول إلى الحدود الواقعة خارج سيطرة الاحتلال، وهكذا اطلق الطيار الاسرائيلي النار على الطائرة المدنية الليبية وأسقطها، وما أن تحقق من اصابتها حتى تسلق باتجاه الاعلى.

الكارثة على الأرض

والصندوق الأسود يفضح ما جرى

وفي الصندوق الأسود للطائرة المنكوبة كانت المكالمة التالية بين الطيار المعاون والمهندس: «ما هذا الأمر؟»، أجاب الطيار المعاون: «تتوجه نحونا صواريخ»، في هذا الوقت تدخل قائد الطائرة مؤكدا ذلك، وبعد ذلك يحدث الانفجار.

أما على الأرض فقد تم ابلاغ مقر القيادة الاسرائيلية باسقاط الطائرة، ومن هناك بلّغ رئيس الاركان ووزير الحرب ورئيسة الحكومة «جولدا مائير» وعدد من وزرائها، وفورا اصدرت الجهات الامنية الاسرائيلية أمرا بمنع تداول المعلومات عبر أجهزة اللاسلكي.

وفوق أرض ورمال سيناء انتشرت أشلاء الطائرة على مساحة 800 متر تقريبا، وعندما ارتطمت بالأرض انغرزت بالرمال وظل ذيل الطائرة هناك وترك خطا محروقا مزروعا بحطام المعادن التي كثرت على الجزء الذي تواجدت فيه قمرة القيادة، وبقي الجناحان في الطريق، وعلى امتداد خط الاحتراق الرمادى تناثرت الجثث ممزقة، والبعض منها لدرجة لم يعد بالامكان التعرف على هويتها، وكانت هناك جثة امرأة حامل تمزق بطنها ومات الجنين، وبالقرب منها ظهرت جثث أطفال رضع محترقين، وكذلك أولاد ونساء أتت عليهم النيران تماما، أما الناجون فكانوا ثلاثة أشخاص، أحدهم الطيار المعاون ومضيفة فرنسية سيطر عليها الهلع وبدأت تصرخ وهي تحترق وما لبثت ان فارقت الحياة.

كانت الطائرة تحمل على متنها 112 راكبا، وفي أثناء جمع بقايا الجثث لم يتم التعرف على العدد الكامل، فتم قلب الطائرة بواسطة جرافة فاذا بـ 40 جثة تحت الركام كانت محروقة، من بينها جثة صبي في الرابعة من عمره جثا على أربع في محاولة للهرب من النار، لكنه لم يتمكن.

ويبرّرون جرائمهم

سارعت الجهات السياسية الاسرائيلية لتبرير ما حدث، فخرج الجنرال القاتل «موشي دايان» وزير الحرب آنذاك وعقد مؤتمرا صحافيا قال فيه: «كل القرارات في هذه القضية اتخذت على المستوى العسكري فقط، لا أنا ولا رئيس الحكومة كنا شركاء في القرار، وكان هذا موضوعا عسكريا وغير سياسي، وهكذا ينبغي أن يكون».

أما الطياران اللذان أسقطا الطائرة فقد أكدا في مؤتمر صحافي عقداه انهما عملا حسب الاوامر ونفذاها تماما، وسئلا من أعطى الأوامر، فأجابا «نحن علينا أن نتلقى الأمر، وننفذ، أما من يعطي الأمر فلا نعلم به».

أما ردود فعل الاسرائيليين على اسقاط الطائرة فقد تراوحت، كما تقول صحيفة «يديعوت أحرنوت» الصهيونية بين مؤيد تأييدا أعمى وبين مندد، ليس حزنا على الضحايا، وانما علي سرعة اتخاذ القرار فعلى سبيل المثال «سيمو تسون»، وهو عميد جامعة تل أبيب حينذاك أجاب بأنه لا توجد إية مشكلة، ولكنه أضاف: «لا يمكن أن يقال لنا يوم الأحد بأنه لا توجد حال حرب، وفي اليوم التالي نشتكي من نتائج هذا الوضع، أما حرب أو لا حرب».

أما «يشيعيا هوليغمان»، رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة «بار ايلان» فقد استغرب أن تستنكر بعض دول العالم ما قامت به «اسرائيل»، ولكنه لم يستغرب كيف اتجه الجنود الاسرائيليون نحو الطائرة وفتشوا واستخرجوا الدولارات من الحقائب غير المحترقة، وبعضهم جمع الحلي وقطعا ثمينة تناثرت على الأرض، واحتفظوا بها، على حد تعبيرهم للذكرى، ولكن لا ندرى أية ذكرى، أهي ذكرى الاعتزاز بما جرى وأنهم كانوا شهودا عليه، ام انها الذكرى التي لا ترى في الآخرين الا ما يحملونه من مال ومعادن؟ انها صفحة سوداء من صفحات الارهاب الاسرائيلي المتواصل، لم تكن الأولى، ولن تكون الاخيرة، ففي كل يوم ذكرى لمجزرة، أو كل يوم ترتكب مجزرة أمام مرأى ونظر العالم الذى يقول انه أعلن حربه على (الارهاب) وسانده في ذلك من يمارسون الارهاب لعلهم يشبعون تعطشهم ونهمهم للقتل والتدمير

العدد 78 - الجمعة 22 نوفمبر 2002م الموافق 17 رمضان 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 4:56 م

      عبدالله محمد الخليلي الناجي الآ{دني الوحيد من فاجعه الطائره الليبيه

      وبقي الجناحان في الطريق....لن ننسى نحن أبناء الناجي الاردني الوحيد من ألآردن (عبدالله محمد الخليلي) كان يحتضن أحد جناحي هذه الطائره المنكوبه في هذا الحادث المروع لن ننسى هذه الفاجعه ما حيينا فقد عشنا ألآلم مع والدى وحروقه وجراحه لمده 33 عاما عاشها مع اللوعه والحروق والمرض الشديد الذى لازمه حتى توفي رحمه الله عن عمر يناهز 63 عاما توفي في 14/2/1999 ...من يتحمل مسوؤليه هذا الناجي المفجوع والذى لديه 12 من أفراد اسرته كان يعيلهم نطلب التتعويض من رب العباد وحسبي الله ونعم الوكيل بالصهاينه المعتدبن

اقرأ ايضاً