عرف الكاتب المجري الأصل، الانجليزي الجنسية بكونه قد تحول إلى واحد من أشرس أعداء الستالينية بعدما كان في مطلع حياته شيوعيا متحمسا. وهو اشتهر بكتابه «الضوء اللانهاية» الذي يعتبر دائما أعنف كتاب وضعه شيوعي سابق ضد الشيوعية. ولكن الغريب ان كوستلر قد تحول لاحقا من الشيوعية إلى الصهيونية. وهذا المسار يمكن رسمه من خلال الفوارق بين روايتيه «سبارتاكوس» و«برج عزرا».
ومثل الحديث عن كوستلر، لابد من التذكير بأن هناك روايتين كبيرتين تتحدثان عن سبارتاكوس وثورة العبيد. والكتابان هما ماركسيان، أولهما وهو المعروف أكثر لأن المخرج الأميركي ستانلي كوبريك أخذ عنه فيلمه التاريخي الأول الذي يحمل تحديدا عنوان «سبارتاكوس» - من تأليف الأميركي هاوارد فوسن، الذي عرف بيساريته واضطهاد المكارثية له، أما الثاني فهو الذي نحن في صدده هنا. علما بأن الروايتين معا تنطلقان من واقعة حقيقية كانت بين العامين 71 و73 قبل الميلاد حين ثار سبارتاكوس، العبد السابق الذي أصبح مصارعا، ضد السلطات جارّا معه رفاقه المصارعين، وعشرات الآلاف من البائسين في روما. أما كوستلر فإن السؤال الأساسي الذي طرحه في روايته، الصادرة العام 1938، بعد عودته اليائسة من زيارة إلى الاتحاد السوفياتي، وخلال بدء قطيعته مع الشيوعية التي كان عضوا في حزبها الألماني، السؤال الأساسي كان: بأي وسائل يمكننا ان نقود ثورتنا ونصل بها إلى الانتصار. والحال ان رواية كوستلر، بالصورة التي نرسمها للطبقات الرومانية القائدة تبرر الثورة تماما. ثم ان الرواية تصف بإسهاب عملية التنظيم الثوري ومسيرة الثوار بقيادة سبارتاكوس، مركزة في طريقها على ما يمكن ان نسميه اسلوب «المدينة الفاضلة» التي شاء الثوار بناءها... ويحيي كوستلر بناء تلك المدينة حتى وإن كان يصف كيفية سقوطها بعد حصار، ناسفة في طريقها أول محاولة في التاريخ لبناء مثل تلك المدينة الفاضلة.
إن سبارتاكوس، لكي يخوض نضاله بشكل جيد، عليه ان يستخدم كل الأسلحة المتاحة له... وهي تكون في بعض الأحيان مثيرة للشكوك أخلاقيا. بيد ان ثمة أسلحة يرفض سبارتاكوس استخدامها حتى ولو هزم، لأنه واعٍ أساسا بأن جوهر نضاله، ليس دائما الانتصار، بل اعطاء المثل الصالح لمن سيأتون بعده.
حين كتب كوستلر هذه الرواية كان آنذاك عضوا في الحزب الشيوعي الألماني... ومن هنا كان واضحا ان كتابتها تعبر عن شكوك وأسئلة معاصرة لديه: إن الشيوعية هي المحاصرة. أما موقف سبارتاكوس فليس سوى جرس انذار موجه ضد استخدام الثائر (ستالين؟!) كل الوسائل المتاحة، بما فيها الوسائل غير الأخلاقية (محاكمات موسكو؟!) لتحقيق انتصاره.
رواية الصهيونية
بعد ذلك بتسعة أعوام، أي في العام 1947، كان آرثر كوستلر قد أصبح خارج الشيوعية تماما... لأن فرط انتقاده لها والممارسات الستالينية كانت أمورا حسمت اختياره. لكن المشكلة انه تحول، بسرعة من الشيوعية إلى الصهيونية... وتحديدا إلى تبرير الصهيونية. وهكذا بعدما نشر كتابه الأشهر «الصفر واللانهاية» الذي يندد فيه بالستالينية ويعلن قطيعته التامة مع ماضيه الماركسي، نجده يكتب، عشية إضافة دولة إسرائيل واغتصاب فلسطين. روايته الجديدة «برج عزرا»... تلك التي تدور حوادثها في فلسطين الثلاثينات، وكانت من القوة التبريرية بحيث انها اعتبرت دائما «رواية الصهيونية» من دون منازع، حتى وإن كان القارئ العربي لا يعرف عنها شيئا... فهي لم تُترجم - على حد علمنا - ولم تُناقش.
تدور «برج عزرا» حول يوسف، وهو عضو في مجموعة لاجئين أوروبيين تصل إلى الجليل في فلسطين للاستيلاء على أرض غير مزروعة كان سبق للصندوق القومي اليهودي ان اشتراها من أصحابها الفلسطينيين (!). وتحكي الرواية «جهود أولئك اللاجئين وآمالهم» خلال العامين الأولين من ولادة تلك المستوطنة على شكل «كيبوتز» مثنية - طبعا - على ذلك النوع من الاستيلاء على أراضي الغير، بزعم ان ثمة هنا شعب بلا أرض يستملك أرضا لا شعب فيها!
العدد 78 - الجمعة 22 نوفمبر 2002م الموافق 17 رمضان 1423هـ