يواجه ما بين 70 و200 صياد بحريني وعوائلهم مصير خليج توبلي نفسه الذي شهد على مدى العقدين الماضيين «موتا بطيئا» بسبب عمليات الردم وإلقاء مياه الصرف الصحي فيه وعمليات إنشاء جسر سترة الجديد الذي بات يهدد بإغلاق آخر منفذ بحري للخليج على المياه المفتوحة، إذا ما أقدمت وزارة الأشغال على إغلاق منفذ الطوارئ تحت الجسر الذي لايزال قيد الإنشاء.
قرار الإغلاق الذي يرجَّح أن ينفذ مطلع الشهر المقبل أثار غضب صيادي المنطقة الذين اعتصموا يوم أمس للمطالبة بالإسراع في تعويضهم.
أم الحصم - مازن مهدي
يبدو أن المصير الذي انتهى إليه خليج توبلي وهو واحد من أهم وأغنى الموارد البحرية في البحرين بات ينتظر صياديه الذين يبدو أن الموت البطيء حكم عليهم بشكل يكاد أن يكون قانونيا.
بحارة الخليج اعتصموا يوم أمس مناشدين السلطات العليا التدخل للنظر في أوضاعهم وخصوصا أن عمليات إنشاء الجسر الجديد بسترة باتت اليوم تقضي على القليل مما تبقى من حياة بحرية، وتعرض حياتهم أيضا للخطر بعد أن كانت عمليات إلقاء مخلفات الصرف الصحي والردم البحري قد قضت بشكل كبير في العقدين الماضيين على معظم الحياة البحرية في الخليج.
الخليج الذي كان يوما مفتوحا على مصراعيه على مياه البحرين الإقليمية الشمالية جاءت أعمال الجسر والدفن المصاحبة له لتترك منه بضعة أمتار فقط مفتوحة في وجه الملاحة، وهي ملاحة محفوفة بالمخاطر يتحمل البحارة مسئولية الإبحار من خلالها، في وقت يحظر على الجهات الرسمية بما فيها خفر السواحل استخدام ذلك المنفذ لشدة خطورته، إذ شهد المنفذ نحو 16 حادثا بحريا. قرار الحظر يعني بشكل عملي أن البحارة من قرى تمتد من العكر حتى أم الحصم قد يجدون أنفسهم من دون خدمات أساسية في حال تعرضهم لمتاعب وسط الخليج الذي تبلغ مساحته نحو 11 كيلومترا مربعا.
اعتصام الأمس للبحارة جاء لتأكيد مطالبهم بأن تصرف لهم تعويضات تتناسب مع حجم الأضرار التي لحقت بهم وبموارد دخلهم، أو إيجاد حلول عملية مناسبة تحول دون تحولهم إلى عاطلين عن العمل، بعد أن باتت أرزاق أكثر من 70 إلى 200 عائلة بحرينية مهددة بالانقطاع خلال الأيام القليلة المقبلة إذا ما تم إغلاق منفذ الطوارئ أسفل الجسر الجديد الذي مازال قيد الإنشاء.
البحارة وصفوا قرار الإغلاق بأنه «حكم بالموت على الخليج»، مؤكدين أنهم يتدارسون حاليا احتمالية إقامة اعتصام مستمر أو حتى ربط زوارقهم بالجسر إذا ما اتخذت تلك الخطوة قبيل التوصل إلى حلول مرضية.
عضو اللجنة الأهلية التي تمثل البحارة حمزة الحواج ذكر أن اللجنة تواصلت مع عدة جهات حكومية منها محافظة العاصمة ووزارة الأشغال وهيئة الثروة السمكية وغيرها، لافتا إلى أن محافظ العاصمة الشيخ حمود آل خليفة ووزارة الأشغال أبدوا دعما وتفهما لمطالب الصيادين.
«بدل الضرر» من 350 ألف دينار إلى 35 ألفا
وكشف الحواج أن وزارة الأشغال خصصت نحو 350 ألف دينار بحريني «بدل ضرر» لاستحداث مرفأ خلف الجسر، إلا أن الثروة السمكية تدخلت وحددت التعويضات بنحو 35 ألف دينار، وهو مبلغ إن وزع على البحارة المتضررين فقد لا يتجاوز 200 إلى300 دينار. واستهجن الحواج موقف إدارة الثروة السمكية التي تأخرت في صرف التعويضات وخصوصا أن بحارة خليج توبلي كانوا من أول المتضررين مما جرى من أعمال ردم وتدمير للبيئة البحرية.
الحواج الذي أشار إلى أن البحارة لا يعترضون على إنشاء الجسر الجديد بل يدعمونه لأنه ذو قيمة حيوية لأهالي المنطقة أوضح في الوقت نفسه أنه لا يمكن تجاهل مصير البحارة وعوائلهم، مؤكدا أن الإقدام على إغلاق منفذ الطوارئ سيحول دون دخول الأسماك إلى الخليج، وهو المصدر الوحيد المتبقي للبحارة بعد أن قضي على الحياة البحرية داخل الخليج نفسه. وقال الحواج إن البحارة في الشهور الثمانية الأخيرة تكبدوا خسائر مالية كبيرة جراء انخفاض معدلات الصيد في وقت تراكمت عليهم الديون.
السيد حسين علوي وهو بحار وأب لطفل وطفلة ويعتمد على صيد الأسماك كمصدر دخله الوحيد أوضح أنه منذ بدء عمليات الإنشاء في الجسر تكبد خسائر فادحة، ما حدّ من دخله، وزاد من معاناته أنه كان أحد الصيادين الذين تعرضوا لحادث بحري بسبب عمليات الإنشاء.
70 % من أنواع أسماك الخليج انقرضت
علوي أضاف أن عمليات الدفان تجري في مواقع هي أصلا مصايد أسماك وهو ما أضرّ بالأعداد المتناقصة فعليا من الحياة البحرية الموجودة، إذ انقرضت أنواع كثيرة من الأسماك منها الميد والصافي والبياح والهامور والروبيان من الخليج، مقدرا بأن 70 في المئة من الأنواع انقرضت مما انعكس سلبا على مدخول الصيادين وعوائلهم. وأوضح علوي أن تلك الخسائر تضاف إليها القروض التي يعاني ثقلها نحو 90 في المئة من الصيادين.
حسين خميس عيسى علي الذي ترك مهنة الصيد في الخليج بسبب ما يعانيه البحارة في تلك المنطقة أوضح أن تردي حالة الخليج انعكست على الصيادين الذين بات معظمهم يتدين لسد احتياجاته واحتياجات الأسرة، معتبرا أن استمرار تلك الأوضاع مع قرب حلول شهر رمضان الكريم الذي تتزايد في المصاريف أمر غير مقبول.
البحار عبدالوهاب إسماعيل وهو أب لسبعة أطفال ومضى عليه 15 عاما في مهنة صيد الأسماك داخل الخليج أوضح أن الثروة السمكية بالخليج اندثرت في السنوات الماضية، وأن ما تبقى منها كثير منه غير صالح ويهدد صحة الإنسان.
بحار: الخليج لا يتطور والغطس خير دليل!
أما البحار عبدالنبي ضيف الستراوي الذي أمضى 37 عاما يزاول مهنة الصيد فأوضح أنه في السابق كان البحارة يتمكنون من صيد ما بين 5 و10 كيلوات من الأسماك مثل «الصنيفي»، واليوم صاروا يتزاحمون لاصطياد أسماك صغيرة، معتبرا أن استمرار عمليات الردم ورمي المخلفات يتناقض مع إعلان خليج توبلي محمية طبيعية، إذ إن تلك العمليات ستقضي على ما تبقى من حياة طبيعية. وتحدى الستراوي الذين يزعمون أن وضع الخليج في تطور بأن عليهم السباحة في مياهه، مراهنا بأن من يغطس في تلك المياه سينفق قبل السمك الذي تجرفه المياه إلى داخل الخليج.
البعض يسعى لاستيراد أسماك الخارج
الستراوي حذر من أن البعض قد يسعى لاندثار الثروة السمكية في البحرين ليستغل الفرصة ليقوم باستيراد الأسماك وتوزيعها في الأسواق، إلا أن ذلك ستكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد والعوائل البحرينية التي ستنقطع عنها مصادر الدخل وتعتمد على الخارج لتلبية أبسط متطلباتها الحياتية، مشيرا إلى أن البحرين ولعقود عاشت معتمدة على خيرات البحر.
انتقاد لتجاهل الجهات التنفيذية والتشريعية
البحارة أشاروا إلى أن قرارا سابقا لنقلهم إلى منطقة الجفير كانت له ردة فعل عكسية لدى بحارة تلك المنطقة الذين اعتدوا على سفنهم، معربين عن تفهمهم لمعارضة بحارة المناطق الأخرى لنقلهم هناك. وأكدوا ضرورة أن تتخذ الجهات الرسمية حلولا عملية مرضية، وألا تكتفي بإصدار الوعود والبيانات الإعلامية فيما يعاني الصيادون وأسرهم.
اعتصام الأمس غاب عنه النواب والممثلون البلديون، فيما ناشد البحارة الجهات التشريعية القيام بدورها ودعم مطالبهم، منتقدين التجاهل الذي طالهم سواء من الجهات التنفيذية أو التشريعية على حد سواء.
العدد 2173 - الأحد 17 أغسطس 2008م الموافق 14 شعبان 1429هـ