بضع دقائق كانت كافية لتعكير مزاجي ومن ثم أغلقت التلفزيون الذي كان يبث حوارا مع عضو بلدي وآخر برلماني من لجنة التحقيق في تجاوزات الدفان والسواحل، فمن جهة بدا من سياق كلام المتحاورين - أو ربما تصريح بعضهم - بأن الساحل هو ماء البحر الملاصق لليابسة وهو خطأ فادح؛ إذ إن الساحل هو الشريط من اليابسة الملاصق لماء البحر، فكيف تحقق في تجاوزات تتعلق بالساحل وأنت لا تعرف ما هو الساحل ولا أين يقع... فيا سبحان الله!
ومن جهة ثانية، أُشير في الحوار إلى أن السواحل هي ملكية عامة، بمعنى أنها ملك للدولة وللحكومة أن تتصرف فيها كما تشاء ببيع أو هبة أو تأجير او غيرها... وهذا أكبر من سابقه؛ فالملكية العامة لا يمكن التصرف فيها على النحو المذكور.
ومن جهة أخرى، انشغل بعض أطراف الحوار بتبرير التصرف في السواحل لا بنقد التفريط فيها ولا أدري لماذا شكلت لجنة التحقيق مادامت قناعتهم كذلك؟!
ولفت نظري قول النائب عضو لجنة التحقيق المذكورة (انه سأل وزير العدل سؤالا يتعلق بالسواحل فأجابه الوزير انه لن يجيبه إلا بعد رسالة من رئيس مجلس النواب)، فلما سمع النائب الجواب أذعن وأناب... وهو أمر غريب؛ إذ إن لجنة التحقيق من أقوى الأدوات النيابية الرقابية ولها صلاحيات واسعة ويجب الإجابة على أسئلتها مباشرة فهي ليست كأداة السؤال الذي يحال إلى هيئة المكتب ثم يبت في مصيره هناك فإذا تم إقراره يحال إلى الوزير المختص ليجيب عليه.
وبعد هذا العرض نأتي للحديث عن السواحل من الناحية القانونية... فالسواحل تصنف على أنها من أملاك الدولة العامة وتسمى (الدومين العام) ويحكمها القانون العام الذي ينص على أنه لا يجوز بيعها ولا التصرف فيها ولا يمكن تملكها بوضع اليد ولا التقادم وحالها في ذلك كحال الطرق العامة والموانئ والمطارات والحدائق العامة والأصل أن انتفاع المواطنين بها يكون بالمجان وإن كان يجوز للدولة أن تفرض رسوما رمزية للانتفاع بها وذلك بغرض استخدام الرسوم في صيانتها مثلا ولا يعتبر ما تحصله الدولة من رسوم إيرادا من إيرادات خزانة الدولة.
ومن الناحية السياسية... تعتبر السواحل مظهرا من مظاهر بداية السيادة الفعلية على الإقليم البري للدولة، فالدولة تكون لها سيادة فنية على الإقليم المائي ولكن الساحل هو مظهر لممارسة الدولة لسيادتها بنحو صريح وواضح وهو من أخطر أنواع الممارسة السيادية، فعن طريق ممارسة السيادة هذه تتحكم الدولة فيما يدخل وما يخرج لإقليم الدولة البري والذي هو محل السيادة الحقيقية؛ إذ بها الشعب والحكومة وغالبية الممتلكات وفيه تمارس معظم الأنشطة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
ومن الناحية الأمنية... تعتبر السواحل إحدى النقاط الأمنية المهمة للدولة ووقوعها تحت سيطرة الدولة مباشرة وخلوها من أي إنشاءات أو أملاك خاصة يعتبر أمرا حيويا؛ إذ يكون الساحل عبارة عن أرض خالية مكشوفة يسهل مراقبتها والتحرك فيها وذلك لضبط عمليات التهريب أو التسلل أو أي عمليات غير قانونية تكون من البر إلى البحر أو من البحر إلى البر.
ومن الناحية الشرعية... ما ذكرناه أعلاه، أشارت إليه الشريعة الإسلامية حين نصت على أن رؤوس الجبال وبطون الأودية وأسياف البحار تكون للإمام (الحاكم الشرعي) وهو قد يكون خليفة أو ملكا أو رئيسا... والملكية هنا ليست ملكية لشخصه وإنما لمنصبه وذلك لكي يراعي الاحتياجات المهمة للدولة الإسلامية؛ فرؤوس الجبال نقاط استراتيجية مهمة للرصد والمراقبة ومن يسيطر عليها يسيطر على ما تحتها وبطون الأودية لما تنحصر ملكيتها للدولة فلن تكون بها إنشاءات تعيق انسياب المياه مثلا ولن تكون هناك مساكن تتعرض للغرق بمن فيها عند حدوث سيول، وأما أسياف البحر فقد ذكرنا الحكمة من ذلك فيها.
لذلك، تكون التوصيات كما يأتي:
- يجب أن يكون الشريط من اليابسة الذي يسمى ساحلا خاليا من أي أملاك خاصة وأن يكون بمساحة أقدرها لا تقل عن كيلو متر واحد على طول الساحل.
- لا يجزي خلق ممرات تخترق الأملاك الخاصة إلى البحر فهذا لا يحقق إلا غاية واحدة متمثلة في وصول الصيادين لمصدر رزقهم فقط.
- لا مانع من أن تمنح الدولة حقوق امتياز لبعض المشروعات الاقتصادية التي تدر على الدولة دخلا وتساهم في توظيف المواطنين، ولكن لمدة زمنية محددة قابلة للتجديد وفي مناطق (بؤر) ساحلية محدودة وقليلة.
- وأن يمنع تمليك أي قطعة أرض ساحلية لأيٍّ كان وتصحيح الوضع الحالي عن طريق استملاك الأراضي الساحلية المملوكة نظير تعويض عادل.
- ونحن لم نتكلم عن الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية للسواحل بوصفها طريقة وصول فئة من المجتمع لمصدر رزقهم (صيد السمك) وتوفير غذاء مهم استراتيجي للمواطنين، ولم نتكلم عن السواحل بوصفها بيئة طبيعية نظيفة (بحسب الفرض) للمشي والاستجمام والنزهات العائلية والترفيهية... فهذه الجوانب يجب الاهتمام بها ومراعاتها.
الشيخ عبدالهادي خمدن
العدد 2184 - الخميس 28 أغسطس 2008م الموافق 25 شعبان 1429هـ