يصفهم بعض اللبنانيين بالجيش... إنهم حشود من العمال السوريين الذين يتولون الاعمال المتدنية في لبنان ويعكسون مع وجود القوات السورية احد مظاهر إحكام سورية لقبضتها العسكرية والسياسية على جارها الصغير.
لكن لا يتعجل الكثير من اللبنانيين في انتزاع حريتهم والعودة إلى جمع البطاطس وحمل الطوب، وهي الاعمال التي يقوم بها السوريون باعتبارها فرص عمل غير متوافرة في بلادهم.
يقول فيصل وهو مقاول سباكة لبناني: «انهم ينامون في المباني المهدمة ويرتدون الملابس نفسها لأيام ويعيشون بأقل القليل. لا يمكن لأحد منافستهم... ولا أحد يريد ذلك حقيقة».
لكن الاحصاءات حساسة في غالبية الاحيان في لبنان اذ لا يمكن عمل تعداد لأن من شأنه زعزعة استقرار توازنات القوى بين المجموعات الطائفية التي تقاتلت في الحرب الاهلية بين عامي 1975 و1990 ولا يختلف الامر فيما يتعلق بالعمال الذين يمثلون احد اوجه العلاقات اللبنانية السورية.
وتقدر وزارة العمل اللبنانية انه كان هناك نحو 54 ألف عامل اجنبي مسجلين في العام 2000. وتقدر الجماعات المسيحية المحافظة المعارض الرئيسي للوجود السوري في لبنان عددهم بنحو مليون عامل او اكثر من اصل سوري في بلد تعداده اربعة ملايين.
لكن المحللين يقولون إن العدد الحقيقي يقع عند منتصف النطاق بين هذين التقديرين ويظهر ان حتى اللبنانيين الغاضبين من العلاقات التي تصفها سورية بأنها «شعب واحد في بلدين» فإن مصالحهم الاقتصادية مستقلة عن مشاعرهم الوطنية.
وقال احد المحللين طلب عدم نشر اسمه عن عمال الزراعة والبناء القادمين من سورية التي يعادل اجمالي ناتجها المحلي مستواه في لبنان لكن مع عدد سكان أربع امثال عدد سكان لبنان «ليست هذه قصة حب من طرف واحد».
وأضاف «اعتقد ان هناك ما بين 300 و350 ألف عامل سوري بعضهم يأتي لعمل موسمي وبعضهم يبقى للعمل في مشروعات البناء ونسبة صغيرة تعمل في قطاع الخدمات من فنادق وخدمات شخصية... إنها علاقة بين صاحب العمل اللبناني والعامل الاجنبي وما يحافظ على استمرارها هو رغبة صاحب العمل في خفض تكاليفه».
وتشمل قواعد تشغيل العمال اللبنانيين ضرائب واسهامات في التأمينات الاجتماعية تجعل جميع المراقبين يتفقون على انها تعطي مبررا لصاحب العمل لتجنب تشغيلهم. لكن هناك عوامل اخرى غير القوانين تجعل اللبنانيين يرفضون القيام بهذا النوع من الاعمال.
ويقول الاقتصادي كمال حمدان الذي درس هجرة العمالة في لبنان «المسألة تتعقد سريعا عندما يبدأ الحديث عن مدى استعداد اللبنانيين لشغل وظائف كان يشغلها غير اللبنانيين من قبل».
ويضيف «انهم ليسوا مستعدين لدخول هذه المجالات التي ينظرون اليها بأنفة والمسألة تتعلق بالمجتمع ككل ومدى استعداده لدخول هذه المجالات التي يتعالى عليها».
وتاريخيا يقول حمدان ان هذا النوع من الاعمال التي يقوم بها السوريون الآن كانت غالبا من نصيب الاجانب، وحتى ارتفاع معدل البطالة الذي قدرته الامم المتحدة بنحو 29 في المئة في العام 2000 لم يكن كافيا لتغيير هذا الوضع.
والنتيجة هي المشهد المعتاد في لبنان... عمال سوريون يقيمون في المباني المهدمة في بيروت او في مواقع المشروعات الانشائية التي يعملون بها او في اكواخ وخيام وسط الحقول في سهل البقاع.
ولكن البعض يعتبر ذلك استفزازا لا يطاق إذ قتل عدد من العمال السوريين في العام 2001 في تبادل لإطلاق النار او هجمات بقنابل يدوية على رغم ان المسئولين اللبنانيين وصفوا بعض هذه الهجمات بأنها حوادث.
وفسرت هذه الحوادث على نطاق واسع في لبنان على انها دليل على الغضب إزاء تعزيز سورية لنفوذها في لبنان بعد الحرب إذ تبقي على قوات قوامها نحو 20 ألف جندي ونفوذ واسع النطاق على الرئاسة والقضاء والجيش والاجهزة الامنية.
ويرجع الوجود العسكري السوري إلى بدايات الحرب الاهلية عندما تدخلت لحماية الميليشيات المسيحية من المقاتلين المسلمين والفلسطينيين. لكن دمشق انقلبت على المسيحيين بعد ذلك عندما مالوا إلى جانب عدوتها اسرائيل.
ورعت سورية بعد ذلك اتفاقا لإنهاء الحرب يبرر مؤقتا على الاقل وجودها العسكري في لبنان الذي يقول معارضوه انه احد اعراض علاقة قوة غير صحية بين البلدين.
ويقول سمير مشعلاني وهو مهندس مدني ومنظم جماعة معارضة ذات قاعدة مسيحية تريد إخراج سورية من لبنان ان ظاهرة العمالة السورية توضح تماما ان البلدين يجب ان يعيدا النظر في علاقاتهما.
وأضاف «الجميع يعلم ان هناك عيوبا في العلاقات اللبنانية السورية ونحن نريد تحقيق افضل علاقة ممكنة مع سورية... فيما يتعلق بالعمال فإننا نحتاج اليهم لكن نحتاج اليهم من دون ان يحلوا محل اللبنانيين الذين يدفعون الضرائب».
ويأسف مشعلاني لأن الكثير من اللبنانيين مهما كان استياؤهم من العمالة السورية لن يقبلوا ابدا بأن يقوموا بالاعمال التي تدر عائدا يتراوح بين 15 و25 دولارا يوميا وهو اعلى بكثير مما يحصل عليه موظف حكومي في سورية ناهيك عن العامل.
ويقول «صاحب العمل اللبناني والمقاولون يقومون بدور كبير وعليهم مسئولية لكن اللبناني في الورشة الذي كان يقوم بالعمل بيديه اعتاد على تشغيل سوري للقيام بهذه الاعمال بدلا منه».
وقال اشار غازي ابراهيم (28 عاما) وهو سوري عمل بشكل متقطع في لبنان بعد ان ادى خدمته العسكرية فيه وهو يجلس في مكان وسط بيروت يرتاده المقاولون لتشغيل العمالة اليومية وجميعها تقريبا من السوريين «في كل مكان عملت فيه كنت أرى الشيء نفسه... اذا كان هناك عامل سوري وخصوصا في الاعمال التي تحتاج قوة بدنية فإن العمل يتم بشكل أسرع ومن دون تلكؤ وهو ما يحدث عادة إذا كان العامل لبنانيا».
وتابع «بالنسبة لي فإني اتحمل بعض الظروف المتعبة مقابل المكسب وبالنسبة لهم فأنا لا اكلفهم بشيء يذكر وهم يحصلون على النتيجة المطلوبة»
العدد 135 - السبت 18 يناير 2003م الموافق 15 ذي القعدة 1423هـ