العدد 153 - الأربعاء 05 فبراير 2003م الموافق 03 ذي الحجة 1423هـ

التعصب لا يولد الوحدة

«واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا» (آل عمران، 103)، من هذا المنطلق يدعو علماء المسلمين إلى الوحدة الاسلامية بين كل طوائف ومذاهب الدين الخاتم، فخصص اسبوع للوحدة الاسلامية تعزز خلاله مبادئ الوحدة وتعمق فيه روح الاتحاد وتستخرج فيه استراتيجيات الوحدة الجديدة المطابقة للاجتهاد الفقهي لكل طائفة ومذهب وموازنة مع الحركة السياسية العامة. وفيه يجدد كل مذهب للآخر الاحترام والصداقة والاخوة استنادا لقوله تعالى «إنما المؤمنون إخوة» (الحجرات 10)، وفيه أيضا يعمق صف الاسلام الواحد الذي يحاول الغرب تشويهه والقضاء عليه. وتنبعث من بعض علماء وفقهاء الدين الاسلامي الدعوة إلى وحدة استراتيجية مع بقية الأديان الاخرى تتمثل في الصداقة والاحترام وسبب هذه الدعوة هو الحفاظ على تنظيمات المسلمين الداخلية وعلى مكتسباتهم، والحفاظ على نقاء الدين إضافة الى إنها دعوة لتعريف الدين في ظل التشويه الغربي له، واتباع لنهج الرسول الاكرم في نشر الاسلام في كل ارجاء المعمورة.

ولكننا على نقيض مع هذه الدعوة السمحاء إذ خصصنا من دون اعداد أكثر من اسبوع للتمزق بيننا في الدين أو في المذهب الواحد فقمنا ومازلنا نقوم بما يسيء لهذه الدعوة إذ نتخاصم ونتعادى مع كل فكرة مغايرة معنا، وكأننا لا نريد لأحد أن يختلف معنا في الافكار والرؤى على رغم ان الاختلاف امر طبيعي وهو سبيل التطور والمعرفة الأنسب، وما في الاختلاف إلا حكمة لا يعلمها إلا الخالق سبحانه وتعالى إذ قال «وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب» (الشورى، 10)، إذا فهي واجبة الحدوث وطبيعية الوقوع. ولكن ليست مصدرا للتنازع المؤدي للتفرقة فيختل حينها صف الاسلام أو المذهب الواحد ما يجعل الاعداء يستغلون هذه الثغرة فيزيد من الاخلال بصف المسلمين الواحد إذ قال تعالى «وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين» (الانفال 46).

ان ما وراء التفرق هو العصبية التي تغرق الفرد في خصوصياته سواء كانت خاصة أو عامة، فيذوب الفرد فيها ويسعى للحفاظ عليها لو تطلب منه تدمير الآخرين. ان العصبية تدفع بالمتعصب الى ان يدمر الانسان الاخر لانه يريد ان يحتفظ بكل المواقع لنفسه فقط. يقول السيد فضل الله: ان العصبية تنتج الفتنة عندما تثار الوسائل المخابراتية بالاشاعات الكاذبة والجدل العقيم، وربما نجد بعض الناس (على حسب التعبير) يذبحها على القبلة، فيتعصب لهوى في نفسه ولكنه يحاول أن يغلف ذلك بغلاف ديني وشرعي ومن هنا نجد كيف انتشرت الفتن في داخل المجتمعات الدينية، سواء كانت في مذهب واحد أو عدة مذاهب أو أديان، لأن القائمين على شئون الدين يشجعون الناس على تدمير الآخر وعدم فهمه وعدم الاعتراف به وهذا ما يثير النزاعات والتقاتل في المجتمع.

وما نتج عن التعصب إلا التفرقة وإراقة الدماء كالذي حدث في البوسنة وكوسوفو وافغانستان والجزائر وزائير ورواندا واندونيسيا وجنوب السودان وايران. أيضا أدت العصبية إلى تشويه الإسلام في أفغانستان عندما قام أفراد حركة طالبان بابتكار وتنفيذ فتاوى وأحكام يبرأ منها الدين المتسامح، بل أراقت «أي العصبية» الكثير من الدماء في الجزائر وأندونيسيا، ان ما يقضي على التعصب هو الحوار والانفتاح، فالدين الإسلامي يدعو الإنسان المسلم إلى الاعتدال، وهو صوت داخلي يوجه سلوك الفرد كذلك الرسالات السماوية كلها لها هدف واحد: هو إصلاح النفس البشرية التي بصلاحها يتحقق تهذيب السلوك الإنساني يقول تعالى: «محمد رسول الله. والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم» (الفتح، 29)، إذ لابد أن نكون رحماء فيما بيننا حتى نتحد في صف واحد شديد على أعدائنا الذين يقصدونا بالسوء، ويستحيل ذلك بتواجد التعصب الذي بتواجده لن نطبق الوحدة بمفهومها الواسع.

أحمد الدفاري

العدد 153 - الأربعاء 05 فبراير 2003م الموافق 03 ذي الحجة 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً