على رغم أن قنابل غاز الكلور المستخدمة في الهجمات التي شهدها غرب العراق أخيرا من النوع البدائي، وعلى رغم أن هذه الهجمات، كانت الثالثة من نوعها منذ مطلع العام الجاري، فإنها كانت الأكبر على الإطلاق، وهو ما اعتبره خبراء عسكريون واستراتيجيون مؤشرا على بدء مرحلة استخدام الأسلحة غير التقليدية بالعراق بداية بالأسلحة الكيماوية.
وفي تصريحات لـ «إسلام أون لاين.نت»، رأى هؤلاء الخبراء أن اللجوء لأسلحة كيماوية غير تقليدية من جانب بعض الجماعات المسلحة في العراق سيشكل عبئا جديدا على القوات الأميركية يمكن أن يعجِّل بانسحابها من هذا البلد، كما أنه قد يدفع الأطراف العراقية المتصارعة على التسابق لامتلاك هذه الأسلحة، ما يعطي الحرب الطائفية الدائرة أبعادا أخرى أكثر خطورة ويضع بلاد الرافدين «على شفا حرب كيماوية».
وأعلن الجيش الأميركي السبت الماضي أن مسلحين في غرب العراق فجروا 3 سيارات تحتوي على غاز الكلور السام، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص وإصابة ما يزيد على 450 آخرين بالاختناق في هجومين منفصلين بالفلوجة والرمادي اللتين يعتبرهما الجيش الأميركي معقلين لتنظيم القاعدة. ويأتي ذلك بعد أسابيع من هجومين مماثلين.
تطوير التكتيكات
ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة محمد عبدالسلام أنه «على رغم كون قنابل الكلور التي استخدمت في الهجمات، تدخل ضمن الشكل البدائي لأسلحة الدمار الشامل، فإن مكمن الخطورة يتمثل في الإشارات المتتالية على السعي الحثيث للجماعات المسلحة نحو تطوير تكتيكاتها واستخدام مثل هذه الأسلحة غير التقليدية الفتاكة، بالنظر إلى أن هذه الهجمات هي الثالثة من نوعها منذ مطلع العام الجاري».
وقال: «استخدام مثل تلك الوسائل خطير، ولاسيما أن من يمتلكها لا يتورع غالبا عن استخدام أي سلاح فتاك في أية منطقة، سواء أكانت تضم مدنيين أو عسكريين».
وأشار عبدالسلام إلى أن «سعي الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط إلى امتلاك أسلحة الدمار الشامل والقنابل القذرة كان سيناريو يكثر الحديث عنه منذ فترة، لكن الحديث كان يأخذ الأمر على أنه أسوأ الاحتمالات، من دون أن يتخيل أحد أن تستطيع تلك الجماعات امتلاك هذه القدرة».
وأرجع عبدالسلام عدم قدرة المحللين والخبراء تخيل امتلاك الجماعات العنيفة لهذا النوع من السلاح كان يعود لأنها جماعات مطاردة، وصناعة مثل هذا السلاح يحتاج تكنولوجيا متقدمة، ومعامل مستقرة، تضمن عدم إصابة القائمين على تحضيرها وصناعتها بالأمراض الخطيرة.
وسبق أن أعلن الجيش الأميركي الشهر الماضي عن اكتشاف مصنع قرب الفلوجة يتم فيه إعداد السيارات الملغمة بقنابل مليئة بغاز الكلور، وهي مادة يسهل الحصول عليها باعتبار أنها تستخدم في التنظيف على نطاق واسع. ويسبب غاز الكلور حروقا شديدة للحنجرة والرئة ويؤدي إلى الوفاة بعد استنشاقه لمرات محدودة.
كيمياويات «طائفية»
ويلفت بدوره الخبير الاستراتيجي اللبناني اللواء ياسين سويد إلى أن تأثير امتلاك المسلحين العراقيين لهذا النوع من الأسلحة سيطال المدنيين العراقيين أيضا، وهو ما من شأنه زيادة متوقعة في معاناة الشعب العراقي الذي يموت منه العشرات يوميّا جراء التفجيرات المتوالية في مختلف المناطق العراقية.
كما يلفت إلى خطورة اقتناء مثل هذه التركيبات الكيماوية في بلد يعيش حربا طائفية في أجزاء غير قليلة منه.
ويوضح «سيجعل ذلك كل طرف يحاول امتلاك هذه الأسلحة وتطويرها والزيادة عليها؛ لأنها ستدخل ضمن منظومة الردع للطائفة الأخرى قبل التفكير في القيام بأية عمليات تهجير قسري في حق أبناء الطائفة الأخرى أو قتل على الهوية كما يحدث حاليّا، وهو ما يجعل العراق على شفا حرب كيماوية».
الأقنعة الواقية
وعن رد الفعل المتوقع من الجانب الأميركي بعد استخدام المسلحين العراقيين لقنابل الكلور بشكل متكرر أخيرا، قال عبدالسلام: «إن أميركا أمام هذا التطور الخطير الذي يواجه قواتها في العراق لديها خياران: الأول تكثيف الضغط لأجل القضاء على المسلحين والاستعانة بالمزيد من القوات وأجهزة الاستخبارات، والخيار الثاني سيكون الانسحاب، أو التعجيل به أمام الخسائر الكبيرة المتوقعة في حال تكثيف استخدام مثل هذه المواد الكيماوية ضد جنودهم».
من جانبه، لم يستبعد سويد أن يلجأ الجيش الأميركي بعد هذه الهجمات إلى استخدام الأقنعة الواقية أثناء سيرهم في شوارع العراق، كما كان مألوفا في حرب تحرير الكويت في العام 1991، ملفتا إلى أن ذلك سيضع الأميركيين «تحت ضغط نفسي شديد وفي مأزق حقيقي».
العدد 1659 - الخميس 22 مارس 2007م الموافق 03 ربيع الاول 1428هـ