العدد 1659 - الخميس 22 مارس 2007م الموافق 03 ربيع الاول 1428هـ

إعلام السلطة وسلطة الإعلام (1)

«إن الدور الرئيسي للإعلام، هو أن يفهم ويعبر عن الرأي العام السائد... وأن يخلق فكرا أو رأيا معينا لدى الجماهير... ثم يفضح - وبلا خوف - كل الأخطاء!».

غاندي- مؤسس الهند الحديثة

نشأة وتطور الإعلام

لعب الإعلام دورا كبيرا ومهما في حياة الشعوب والأمم منذ نشأة التاريخ. والإعلام وسيلة اتصالية تناقل استخدامها عبر العصور، فلو عدنا للحضارات الإنسانية القديمة وما وصل إلينا من مخلفاتها سنجد أنهم استخدموا الإعلام في علاقاتهم وفي تسيير شئونهم وفي توثيق مناحي حياتهم وهذا ما نجده جليا في الحضارة الفرعونية على سبيل المثال التي خلفت لنا أرثا مليئا بالمعلومات مازال العلم الحديث على رغم قفزاته الهائلة حائرا أمام فك بعض رموزها وطلاسمها.

وإذا تبنينا التفسير الإعلامي للتاريخ، وهو التفسير الذي ينظر إلى التطور الاجتماعي للبشرية في ضوء تطور وسائل الإعلام، بمعنى أن تطور وسائل الإعلام يعتبر العامل الرئيسي في إحداث التطور الاجتماعي للبشرية، وأنه كما يوجد التفسير المادي للتاريخ كما هو شأن الماركسية، وكما يوجد التفسير السيكولوجي للتاريخ، كما هو شأن الفرويدية، فهناك أيضا التفسير الإعلامي للتاريخ، وهو التفسير الذي يقسم التطور الاجتماعي تبعا لمراحل تطور الإعلام، فهناك المرحلة السمعية في التاريخ (النفخ في الأبواق والمنادين) ثم المرحلة الخطية (النقش والرسم على جدران المقابر والمعابد والقصور والكتابة المنسوخة على الجلود أو الورق) ثم المرحلة الطباعية (الصحف) وأخيرا المرحلة الإلكترونية «الراديو والتلفزيون والفيديو واستخدامات الكمبيوتر والأقمار الاصطناعية في الإعلام». (1)

ونستطيع القول إنه منذ بدأ أول حوار بشري بين شخصين أو طرفين وهما آدم وحواء تكونت أول عملية إعلامية واتصالية بين طرفين تم خلالها إما نقل أفكار من طرف لطرف آخر أو تبادل معلومات.

وبذلك يمكننا أن نقول إن الإعلام هو أول علم تم استخدامه بين بني البشر ومن ثَمَّ فهو أبو العلوم.

إذا هل يمكننا أن نتعامل مع الإعلام كسبب رئيسي لجميع مشكلاتنا بدءا من الحوار الأول الذي دار بين آدم وحواء - عليهما السلام - ومرورا بالدور الشرير الذي يلعبه الإعلام في تسيير حياتنا؟.

أم نعتبر الإعلام هو جسر الخير الذي عن طريقه انتقل العلم والتكنولوجيا لنصل إلى ما نحن فيه من تقدم ورقي؟

هل ساهم الإعلام في صنع الأشرار؟ أم أنه قادر على إيجاد الملائكة؟ هذا هو السؤال؟

حريات

يقول المفكر الفرنسي فولتير (1694-1778) «ما رأيت شيئا يسوق الناس إلى الحرية بعنف... مثل الطغيان».

إن الحرية في المعجم العربي الأساسي: تعني حالة الكائن الحي الذي لا يخضع لقهر أو غلبة، ويفعل طبقا لإرادته وطبيعته. (3)

والحرية بالمعنى البيولوجي: هي فقدان الإرغام والقهر. وبالمعنى النفسي: هي القدرة على الاختيار، بينما يقول أفلاطون: (إننا لا نعني الحرية حين تقع تحت وطأة الرغبات). ويرى كانت: (أن الحرية هي قانون العقل). ويشير فيخته: «إلى أن الحرية هي استقلالية الذات وتحقيق سعادة الإنسان». ويؤكد ديكارت: «أن حرية اللامبالاة هي أدنى أنواع الحرية). ومن ثمة فإن الحرية هي وجود إنساني وفعل إنساني ولا حرية إلا بالنضال، أي بتحقيق الذات. وانتزاع الحرية من براثن الأفكار والسذاجة والجهالة». (4)

وللإنسان تاريخ طويل في نضاله لأجل حريته منذ آلاف السنين.

وعرف المصريون القدماء حرية الرأي، ومارسوها على رغم طغيان ملوك الفراعنة، إذ كان الملك هو مصدر السلطات وأصل التشريع وبيت العدل والقضاء.

وللحرية في الإسلام مكانة كبيرة، وتعتبر عاملا أساسيا من حقوق الإنسان.

ففي الحديث الشريف: «الحق ثقيل، فمن قصر عنه عجز، ومن جاوزه ظلم، ومن انتهى إليه فقد اكتفى».

والحرية في الشريعة الإسلامية أصل عام يمتد إلى كل مجالات الحياة، فليست هناك حرية من الحريات لا تعرفها، وليست هناك حرية تدعو إليها الحاجة مستقبلا وتقف الشريعة الإسلامية عقبة في سبيل التمتع بها ومزاولتها. (5)

كما أن الحرية قيمة إسلامية ملزمة، كفلها الإسلام للإنسان منذ كان، حتى عدت فطرة مما فطر الله الإنسان عليها، تؤكدها سيرة رسل الله جميعها وتثبتها نصوص القرآن والسنة. والحرية السياسية في الإسلام فرع لأصل عام هو حرية الاختيار. (6)

ففي الحديث الشريف (لا يكون أحدكم إمعه يقول مع الناس: ان أحسن الناس أحسنت، وان أساءوا أسأت...). (7)

ويقول الرسول (ص) «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر». (8)

وتضمنت الشريعة الإسلامية مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم السكوت عن معصية، بل وتجنب المنكر سواء باليد أو باللسان أو بالقلب عن طريق الاستنكار. (9) ويقول تعالى في سورة التوبة «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» (التوبة: 71).

ويقول الرسول (ص): «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» والشريعة الإسلامية في تقريرها للحرية لا تعني إطلاق هذه الحرية بغير قيود أو حدود، فالحرية تعني أن تجد حدا لها فيما يكفل لكل فرد أن يتمتع بحريته إزاء أخيه، وتجد حدا لها فيما يكفل لمصالح المجتمع ألا تتعرض للخطر. (10)

وبقدر ما التزمت الدولة الإسلامية بالحرية والاجتهاد والتسامح، بقدر ما تقدمت وصارت عواصمها منارة للفكر والعلم. وبقدر ما انتهكت هذه المبادئ بقدر ما تراجعت وتفككت وانهارت.

كما ارتبط هذا التراجع بجمود الفكر الإسلامي، وتوقف الاجتهاد، وتقاعس المفكرين والدعاة عن تأسيس نظريات إسلامية جديدة تواكب تحديات العصر.

ولا ينبغي أن تغيب عن أذهان الدعاة الى حرية سياسية وفكرية تستند الى الاسلام، حقيقة يشهد بها تاريخ البشرية في مختلف أديانها: أن أسوأ صور الظلم وأفدحها، وأبشع حالات الطغيان وأقساها، ما كان مستندا الى نظرة دينية يساء فيها استخدام نصوص الدين الصحيحة بتأويلها على وفق أهواء الظالمين، أو يدس على الدين ما ليس منه لتحقيق نزواتهم والقضاء على خصومهم. (11)

إن الحرية حق مكتسب للانسان، وهي جزء من تكوينه الذي خلقه الله - عز وجل - به، لا يمكن ان يستغني عنها أو يتنازل عن حقه بها. والتاريخ أورد لنا الكثير من الأمثلة عن صراع الإنسان لأجل حريته، واستعداده لبذل جميع السبل لنيلها والحصول عليها مهما كانت النتائج او بلغ حجم التضحية.

ومما يتضح كذلك أن الحرية قائمة على أساس فكري، وان أصحاب الفكر والرأي والثقافة لعبوا دورا مهما في تنوير الشعوب بحقوقها، وتوضيح مدى أهمية الحرية في تطور الانسان ورفعته.

وهنا يتبادر الى الذهن سؤال : لماذا تخشى السلطة من الحرية؟ وما هي أسباب الصراع الدائم بين الحرية والسلطة؟

ولدينا الكثير من الأمثلة لمعارك خاضها مفكرون ومثقفون تحت لواء الحرية ضد حكوماتهم، وكذلك هنالك نماذج لمعارك كثيرة بين دعاة الحرية والسلطة، ونماذج أخرى لشخصيات استطاعت السلطة إغواءهم واستمالتهم إلى صفها فأصبحوا منظرين لها ومدافعين عن تصرفاتها!

وعالمنا العربي يزخر بالمئات من أولئك الذين بدأوا حياتهم مناضلين ناقمين على حكوماتهم، رافعين لشعارات معادية لأساليبها في الحكم وادارة الدولة، ووسائلها في قمع الحريات والسيطرة على مقدرات الشعوب، وفجأة نجدهم ارتموا بأحضان الحكومة ذاتها التي كانوا يهاجمونها مع أول باب فتح أمامهم!

يقول الكاتب الايرلندي برنارد شو (1856-1950) «مأساة العالم الذي نعيش فيه تكمن في أن السلطة كثيرا ما تستقر في أيدي العاجزين».

(1) فاروق محمد أبوزيد - مقدمة في علم الصحافة - جامعة القاهرة - 1999

(2) مرجع رئيسي: محمد سعد ابراهيم، حرية الصحافة «دراسة في السياسة التشريعية وعلاقتها باتطور الديموقراطي» الطبعة الثانية 1999

(3) المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم - المعجم العربي الأساسي- أحمد مختار عمر- اليسكو- 1988

(4) كامل الزهيري، «موسوعة الهلال الاشتراكية» (القاهرة - دار الهلال 1968)

(5) مصطفى أبوزيد فهمي، النظرية العام للدولة، الطبعة الاولى (الاسكندرية - منشأة المعرف) 1985

(6) محمد سليم العوا، التعددية السياسية من منظور اسلامي، مجلة «الحوار»، العدد 20، السنة السادسة شتاء 1991

(7) سنن الترمذي، الجزء الثامن

(8) رواه الترمذي من حديث حذيفة

(9) عماد عبدالحميد النجار، «النقد المباح» (القاهرة - دار النهضة العربية) 1977

(10) مصطفى أبوزيد فهمي، فن الحكم في الإسلام ( القاهرة - المكتب المصري الحديث) 1981

(11) محمد سليم العوا، التعددية السياسية من منظور اسلامي، مجلة «الحوار» العدد 20،السنة السادسة شتاء 1991

* أمين عام الملتقى الإعلامي العربي

العدد 1659 - الخميس 22 مارس 2007م الموافق 03 ربيع الاول 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً