في الوقت الذي أكد فيه المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش جو ستورك ضرورة اتحاد وتعاون الأطراف المطالبة بالمصالحة الوطنية وتعويض ضحايا التعذيب في البحرين معتبرا إياه شرطا أساسيا لتحرك هذا الملف، قالت عضو المركز الدولي للعدالة الانتقالية ميرندا تيلمان إن البحرين تعتبر من الدول التي تمر بمرحلة تغير سياسي سريعة، مشيرة إلى أن العدالة الانتقالية ليست حدثا وإنما هي عملية مستمرة لا نهاية فعلية لها. وقالت: «على الأطراف المعنية أن تسأل نفسها أولا ماذا تريد بالضبط لتتحرك في هذا الاتجاه».
وفي لقاء له مع «الوسط» قال ستورك إن من الطبيعي أن تكون تجربة البحرين في مجال تعويض الضحايا متواضعة، مرجعا ذلك إلى كون غالبية الدول التي قامت بمهمة العدالة الانتقالية تقع في الدول الغربية، ولا يوجد شبيه لها في دول الشرق الأوسط باستثناء المغرب. غير أن مجرد حصول نقاش بهذا الخصوص يعتبر أمرا نوعيا فعلا حتى لو لم يكن موجها من قبل الحكومة. وأضاف ستورك أن عقد لقاءات لمناقشة العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية يعني أن الموضوع موضوع على أجندة العمل السياسي بغض النظر عما يراه أي طرف من الأطراف، مشيرا إلى أن تقييمه الحقيقي لما يحصل في البحرين في هذا الإطار يحتاج إلى خطوتين، أولاهما التعاون الحكومي، وقبلها الاتحاد بين الأطراف المطالبة بالمصالحة والعدالة. وأضاف أن الحركة في البحرين لم تصل إلى هذا المستوى بعد، وربما تحتاج إلى بعض الوقت لتصل إلى هذا المستوى.
وعن تقييمه أيضا إلى الحركة السياسية باتجاه هذه المطالب ذكر ستورك أن وجود عدد من الجهات «المتنافسة» سياسيا تعمل على هذا الملف يجعله أكثر صعوبة، لكنه لم ينكر وجود تصميم لدى كل الجهات على الحصول على مطالبها والعمل بشكل جماعي لتحقيق تلك المطالب، غير أن تحريك العملية يحتاج إلى وقت من أجل توفير البيئة المناسبة للتغيير برأيه. فمعرفة الحقيقة مهمة جداَ من أجل المصالحة مع الماضي التي تكون بأطراف متعددة منها القيادة السياسية والمجتمع إذ ستكون المسئولية باتجاه بناء دولة الديمقراطية والقانون الذي يتم فيه التطبيق.
وقال ستورك أيضا: «تقوم مبادئ المصالحة الوطنية على رأب صدع الماضي والحاضر والمستقبل»، مشيرا إلى أن عملية بناء المصالحة مهمة لإحقاق الحقيقة عبر وجود ثلاثة لاعبين أساسيين هم الضحايا وعوائلهم، والسلطات السياسية، والحركات السياسية سواء الرسمية وغير الرسمية، معتبرا جميع هذا الأطراف تتحمل مسئولية ما في مسألة المصالحة، كما أن ابتعاد أي طرف من الأطراف يسبب خللا فيها.
وأكد ستورك أن على الدولة مسئولية كبيرة بغض النظر عن وجود الإصلاح السياسي، مشيرا إلى حصول انتهاكات لحقوق الإنسان يجب أن تعترف بها الدولة، مثلما تعترف بمسئوليتها تجاه الأشخاص الذين قاموا بانتهاكات لحقوق الإنسان، علاوة على مسئوليتها في إنصاف جميع الضحايا من دون تمييز، وإزالة أية حصانة لمنتهكي حقوق الإنسان وإعطاء محاكمة عادلة لهم، كما تقدم المعلومات للجنة القضائية المستقلة للنظر في الحقائق التي جمعتها اللجان.
من جانبها قالت عضو المركز الدولي للعدالة الانتقالية ميرندا تيلمان في حديثها إلى «الوسط»: «إن من الواضح أن البحرين في مرحلة مهمة في مناقشة هذه الموضوعات، فكثير من الدول حول العالم لاتزال تبحث كيف يمكنها أن تتعامل مع الألم، والبحرين تعتبر محظوظة ربما لأن الحكومة بدأت تتخذ عددا من الخطوات لتغيير الواقع السياسي لما قبل مرحلة الإصلاح. ولكن لا بد أن نقول إن البحرين تبدو في مرحلة مهمة جدا للبحرينيين ليفكروا مليا فيما يريدون فعلا القيام به. فالوضع المثالي عادة في هذه القضايا هو أن يعمل كل من المجتمع المدني جنبا إلى جنب مع الجانب الحكومي وكل الأطراف السياسية لكي تصل إلى حل يعتبر عادلا ومقبولا من جميع الأطراف».
وأضافت «ربما يبدو هذا الموضوع معقدا إذ يطرح أسئلة: كيف يمكننا أن نصل إلى هذه المرحلة؟ وكيف يمكن أن يبدأ الناس في مرحلة معينة بأخذ حقوقهم؟».
وأشارت ميرندا أيضا إلى أن كثيرا من المجتمعات اعتمدت كثيرا على مؤسسات المجتمع المدني في القيام بدورها في هذا الموضوع، منها توثيق الحوادث وتعليم الناس بحقوقهم وتكريم الشهداء والضحايا سواء في التاريخ أو في أذهان أفراد المجتمع، مضيفة أنه إن لم يتمكن المجتمع من القيام بأي تعويض لهؤلاء الضحايا فيكفيه أن يقوم بهذا الأمر. واعتبرت ميرندا أن المجتمع البحريني وصل إلى هذه المرحلة بشكل أو بآخر، إلا أنه لايزال يتساءل عن إمكان التعايش السلمي مع الآخر مرة أخرى، ولا توجد برأيها أية إجابة عن هذا السؤال بعد.
وقالت ميرندا أيضا: «من الواضح في البحرين وجود كثير من الجماعات التي تسعى مع بعضها بعضا لطرح مثل هذه الأسئلة والإجابة عنها، وربما تكون هذه إحدى الخطوات ولكننا نعرف أن من المطلوب القيام بكثير من الخطوات التالية. من الواضح أن البحرين تمر في مرحلة إيجابية من التطور. ولكن يبقى السؤال الأهم برأيي الذي يجب على الناشطين البحرينيين في هذا المجال أن يسألوه لأنفسهم: ما هو بالضبط الذي نريده؟».
وبناء على خبرتها الدولية في هذا المجال أكدت ميرندا أن المصالحة الوطنية ليست حدثا، وإنما هي عملية مستمرة، وربما لا توجد نهاية فعلية لهذه العملية، إذ يتعلم المجتمع خطوة بخطوة في هذه العملية كيفية التعايش مع الآخر.
أما عن التجربة في البحرين فقالت ميرندا: «من المهم في البحرين أن يدرسوا الوضع بشكل دقيق، فهناك ملامح عامة للانتهاك أو العدالة عالميا، ويجب التعرف على كل هذه الملامح قبل البدء في المطالبة بالحقوق وإلا فستتعرض القضية للسقوط هنا أو هناك. أعتقد أن البحرين تقوم بهذا الأمر فعلا ولا بد عليها أن تدرك أهمية الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في هذا الصدد مع مراعاة خصوصية وتفرد كل دولة عن الأخرى. غير أن الأسئلة التي يتم رفعها غالبا واحدة، وهي ما الذي يجب علينا أن نفعله للضحايا، وكيف يمكن أن نتعامل مع الألم؟ وكيف يمكن أن نشعر بالعدالة إن لم نعرف الحقيقة؟».
ومن مقارنتها بالدول التي تعرضت لتجربة العدالة الانتقالية ذكرت ميرندا أن البحرين يمكن أن تعتبر من الدول التي تمر بمراحل تغير سريعة، ولذلك تبدو مسألة تعويض الضحايا غاية في الأهمية لبعض الجهات التي شهدت هذا التغيير.
العدد 1753 - الأحد 24 يونيو 2007م الموافق 08 جمادى الآخرة 1428هـ