العدد 1935 - الأحد 23 ديسمبر 2007م الموافق 13 ذي الحجة 1428هـ

ارتفاع التضخم الكويتي إلى %7,3 يعكس ردود فعل قلقة

اقتصاديون يوصون باستثمار الفوائض المالية في مشاريع تنموية

عكس ارتفاع معدل التضخم النقدي والبالغ 7,3 في المئة خلال الأشهر التسعة الأخيرة الذي أعلن أخيرا ردود فعل قلقة لدى الأوساط الاقتصادية إذ بلغ مستوى قياسيّا ولاسيما أن السياسات المالية الحالية مازالت وحدها غير قادرة على كبح جماح ارتفاع الأسعار المحمومة التي شهدها اقتصاد الكويت منذ أكثر من عامين.

وعلى رغم أن حجم ارتفاع التضخم جاء جله من القطاع العقاري في الكويت الذي ارتفع بنسبة 12,5 في المئة والخدمات التعليمية والصحية بنسبة 12,3 في المئة فإن سلعا أخرى أسهمت في دفع حدة التضخم الى الأعلى، من بينها المشروبات والتبغ وذلك بنسبة 9,6 في المئة والنقل والمواصلات 7,3 في المئة والمواد الغذائية 4,8 في المئة التي تأتي وفق معايير المؤشر القياسي لأسعار المستهلك التي تعتمدها الادارة المركزية للإحصاء الرسمية.

ووفقا لهذه الأرقام الرسمية فإن عملية ارتفاع الأسعار يبدو وعلى الأرجح تسير نحو الصعود ما لم تتبنَّ الجهات الرسمية آلية جديدة للعمل لمواجهة هذا الارتفاع المحموم.

ومازالت عناصر الدفع الى الأعلى مثل ارتفاع مستوى الأسعار قائمة، كاستمرار ارتفاع أسعار النفط في الأسواق الدولية وإن تأرجحت قليلا وهي تؤثر على كلفة السلع المصنعة في الدول الصناعية الكبرى التي تعاني من ارتفاع أسعار المواد الخام الأخرى، ناهيك عن ارتفاع بعض مواد البناء والحبوب وغيرها في الأسواق الدولية بسبب ندرة المعروض والمخزون العالمي منها.

ويرى خبراء اقتصاديون أن القرار التاريخي الذي اتخذه بنك الكويت المركزي يوم 19 من مايو/ أيار الماضي بالتخلي عن ربط الدينار بالدولار الأميركي وتعويضه بسلة من العملات الأجنبية لتفادي تراجع سعر صرف الدولار في الأسواق العالمية التي أسهمت بزيادة حدة التضخم في الكويت قد يكون من القرارات الايجابية لكنه يحتاج الى فترة طويلة لكي يتسنى للاقتصاد الوطني التعود على تنويع المخاطر التي ينتهجها في سلة العملات في ضوء تقلبات أسعار الصرف في الأسواق الدولية.

ولا تكمن خطورة الوضع في عدم وضع حد لمعدلات التضخم النقدي بل في أن يتجه الاقتصاد نحو الانكماش إذ إن عملية التضخم السعري التي تكون عادة مصاحبة لعملية النمو الاقتصادي قد تنعكس على سير الاقتصاد الوطني خلال المرحلة المقبلة من خلال تباطئه وانكماشه بسبب شح السيولة لدى المستهلكين للسلع والخدمات في الأسواق وبسبب ارتفاع الأسعار ما سيلقي بظلاله على أداء الاقتصاد الوطني خلال الدورة الاقتصادية المقبلة.

وفي الاطار نفسه، فان بعض الجهات الشعبية الى جانب عدد من نواب مجلس الأمة يجدون في عملية تبني أنظمة كوادر رواتب جديدة في بعض المؤسسات الرسمية ورفع مستوى الأجور والرواتب لجميع العاملين وتشمل المتقاعدين في مؤسسات الدولة كافة أحد الحلول المناسبة لرفع مستوى معيشة الفرد أمام موجة ارتفاع الأسعار في أسواق الكويت. ويرى بعض المراقبين أن رفع مستوى معيشة الفرد الكويتي عن طريق رفع مستوى أجره بحاجة الى إعادة النظر ولاسيما أنه لم يخضع منذ تأسيس الدولة الى معايير ارتفاع الغلاء المعمول بها في الدول المتقدمة وأن عملية الارتفاع كانت تخضع لاجتهادات من هنا وهناك ما خلق فجوة بين الرواتب سواء ما بين سلم كوادر الوظائف الفنية والنادرة والوظائف الأخرى في المؤسسة الواحدة وبين المؤسسات الرسمية فيما بينها.

ولكن على رغم أهمية الموضوع فإن الجهات الرسمية من خلال مؤسسة الخدمة المدنية تدرس الأمر حاليّا ضمن فريق مشترك مع البنك الدولي لوضع تصور مشترك يتم على أساسه تبني آلية واضحة لإعادة النظر في سلم الرواتب المعمول به منذ أكثر من 40 عاما ووفق مبدأي العدالة والمساواة اللذين ينص عليهما الدستور الكويتي.

كما يرى بعض نواب المجلس أن يكون الحل عن طريق إسقاط القروض اذ طالبوا الجهات الرسمية بالعمل على إسقاط القروض الاستهلاكية والقروض المقسطة أو فوائدها لتخفيف الضغط على دخول الأفراد الذين باتوا متعثرين في دفع مستحقاتهم المالية.

وعلى رغم أن هذه الحلول قد تكون من الناحية النظرية سهلة أمام دولة تمتلك استثمارات مالية خارجية قد تصل الى أكثر من 150 مليار دولار أميركي فإنها حلول قد يجدها بعض الاقتصاديين مكلفة للدولة وتؤثر على رفاهية الأجيال المقبلة وإن إسقاطها عملية غير واقعية ومبالغ فيها.

ووفقا لبيانات رسمية حكومية فإن عدد المقترضين يصل الى نحو 450 ألف شخص منهم 10 آلاف متعثر فقط أي أن نسبتهم تكاد تبلغ 2 في المئة وتعد هذه النسبة قياسيا هي الأدنى وفق المفهوم المالي اذ تصل النسبة في الدول الصناعية الى نحو 6 في المئة وان قيمة الأموال المتعثرة أي التي لا يسددهها المتعثرون تبلغ نسبتها 1,5 في المئة من القيمة الاجمالية البالغة نحو 4 مليارات دينار كويتي.

لذلك يرى الاقتصاديون الأكثر تحفظا أن تبني حلول أخرى مثل البحث عن وسيلة لادارة الفوائض المالية في مشاريع تنموية تنفع الأجيال الحالية والقادمة قد يكون أفضل من استثمار المال العام في قضايا استهلاكية غير مجدية.

كما أن كلفة اسقاط فوائد القروض واعادة جدولتها تبلغ نحو 3 مليارات دينار كويتي وهي كلفة عالية على الموازنة العامة ولاسيما أن الكويت تعتمد على اقتصاد ريعي؛ وعليه فيجب عليها أن تحتاط لمستقبل الأجيال المقبلة الذين ينتظرون من الجيل الحالي الادخار للمستقبل وليس استنزاف خيرات البلاد من خلال الانفاق الاستهلاكي.

اذا مواجهة حمى ارتفاع الأسعار عن طريق اسقاط القروض أو زيادة الرواتب والأجور بشكل أو بآخر قد تعد من القضايا الأكثر صعوبة على العاملين في حقل الاقتصاد الكويتي إذ إن اتخاذ قرارات تاريخية متوازنة تحافظ على المستوى المعيشي الحالي وعلى ادخار الأموال للأجيال المقبلة يعد من التحديات التي تحتاج الى الحكمة والتأني والانحياز الى المصلحة العامة.

العدد 1935 - الأحد 23 ديسمبر 2007م الموافق 13 ذي الحجة 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً