«على الضيف أن يفهم أن بلدنا ليست ممسحة يمكن لزعيم ما أكان إرهابيا أم لا، أن يأتي ويمسح قدميه عليها من دماء جرائمه»!
مقولة شهيرة لسكرتيرة الدولة الفرنسية للشئون الخارجية وحقوق الإنسان لراما باد، أعجبتني كثيرا في توقيت طرحها إذ اطلقتها تزامنا مع وصول الضيف الجديد!
الفيلم الأميركي الجديد الذي مثل بطولته الممثل الأميركي الشهير العجوز روبرت ردفورد (71 عاما) صاحب الأفكار والمواقف الليبرالية المناهضة لأميركا الذي مثل دور الأستاذ الجامعي الفاضل الذي يغرس المبادئ والقيم المثالية في طلابه «الحملان الأبرياء» ودفعهم لميدان القتال.
هذا العجوز عرف تمام المعرفة عندما ضرب بأنامله على الوتر الحساس واختار القيم والمبادئ التي يتشدق ويتبجح بها الإنسان على الحيوان. هذه القيم التي وردت في فيلمه تتشابه اليوم تماما مع القيم والمبادئ والتوجهات الإنسانية والتوصيات في مجال حقوق الإنسان التي تساق هنا وهناك ويسمع عنها يوميا الإنسان العربي من حاكم بلده قبل أن يأوي إلى حتفه، أي فراشه في بيته الآيل إلى السقوط والمعدم والغارق في همومه اليومية... في ماذا يأكل؟ وماذا يلبس؟ وماذا يؤمن لأبنائه غدا؟ أو هل سيرى أبناءه غدا أم سيودعون في إحدى السجون الإسرائيلية؟!
واللافت للنظر أن في هذه الزيارة التاريخية للرئيس العربي الضيف الذي حل ضيفا للمرة الأولى منذ 34 عاما على رئيس البلد الأوروبي الميال أصلا للصهاينة والمعادي للعرب، حل ضيفا بزيه الوطني الفضفاض الواسع بترحيب حار قبل أن يأوي إلى مخدعه أقصد (خيمته)! التي اعتاد أن يجلبها معه والتي أغضبت قصر الأليزيه لولا العشرة مليارات دولار التي سيجنيها الأليزيه من وراء هذه الزياره التاريخية! إلا أن الأليزيه لم يخف امتعاضه الشديد وتساؤله عن سبب مرافقة هذه الخيمة الرئيس الضيف في جميع سفراته! متحدية هيبته ورفعة بنائه وتاريخه المجيد الذي يضاهي به البيت الأبيض! عندما نصبت له أمام محل إقامته مع طاقم حرسه النسائي الذي يرافقه لاستقبال كبار زواره مطلقا فيها أولى «فانتزياته» قائلا «أستطيع من الآن أن أزور أوروبا متى أشاء»!
هذا القصر الشهير الذي شهد الكثير من التناقضات وكشف الكثير من المستور للفرنسيين مثل اعلان طلاق الرئيس الجديد من زوجته ليعيش عازبا اجتماعيا أو استدعاء الرئيس السابق للإدلاء برأيه بصفة شاهد على تهمة تمويل حزبه في الانتخابات متحديا جميع الدوواين العربية الملكية والقصور العربية ان تكشف لشعوبهم ولو مستور واحد! التي أخفيت عنهم او أنهم يسمعونها من جيرانهم الأوروبيين او من خلال (BBC) أو يقرأونها في الصحف الأجنبية!
وهذه الخيمة المغلقة التي حملها معه في زيارته إلى بروكسل في العام 2004 هي الخيمة نفسها أيضا التي استقبل فيها الرئيس الأوروبي نفسه حين وصوله عاصمته العربية في صيف يوليو/ تموز الماضي برفقة زوجته سيسيليا، إذ تكللت هذه الزيارة بالنجاح وساهمت في اطلاق الممرضات البلغاريات في مقابل صفقة غامضة لم يعرف تفاصيلها بعد، ثم أطلقت على زوجها رصاصة الرحمة فطلقته من أجل عشيقها!
وهي الطعنة الأولى التي اصابت الرئيس الفرنسي جراء هرولته وراء السياسة الأميركية منذ أن وطئت أقدامه الأليزيه. وما أن عاد إلى قصر الأليزيه كي يعيد ترتيب أجندته حتى تلقى الطعنة الثانية عندما عادت الإضرابات والاعتصامات وتعطلت الحياة في بلده من جديد لتقرع أجراس الخطر والبطالة، إلا أنه غادر باريس مسرعا إلى الجزائر ليسد التشققات في جدران اقتصاد بلده جالبا معه ملايين الدولارات لها مقابل بعض المشروعات ثم تبعها بالجولة الثانية التي تكللت بالنجاح أيضا إذ جلبت لبلاده عشرات المليارات أيضا من خلال زيارة ضيفه العربي ليسد بها أفواه معارضيه ومنتقديه لولا مبالاغته في نفي صفة الديكتاتورية عن ضيفه مقابل أيضا طائرات تحمي نظامه الديكتاتوري!
اللافت للنظر أيضا أن الرئيسين عادا ثانية أسودا على حساب الحملان الأبرياء بدليل، مقولة الرئيس العربي الضيف الشهيرة «أستطيع منذ الآن ان أسافر إلى أوروبا متى أشاء!» إذ غادر باريس متوجها إلى إسبانيا ونفيه لأية محادثات جانبية تناولت ملف حقوق الإنسان في بلده! بل عاد أسدا كما كان من قبل!
واسمحوا لي وأنا أكرر عبارة «اللافت» لشدة اعجابي بالسيناريو المضحك الذي رسموه وأعدوه للناس وللمجتمع الدولي لهذه الزيارة وخصوصا «للحملان» المعنيين بحقوق الإنسان وعلى رأسهم قصة شعب جريمته أنه ضحية فلسطينية عربية مهجرة في جميع العالم!
وفي أثتاء تناولهما المأدبة التي أقامها الرئيس الأوروبي على شرفه تتخللت عبارات المجاملة بينهما تمهيدا لعرض أفضل الطرق والأساليب للولوج من جديد إلى الدول الأوروبية الأخرى مبتدئا بزيارة لأشبيلية للضحك على العالم من مغزى هذه الزيارة ولقمع المعارضة في بلاد الضيف، مختومة بالقهوة الفرنسية بينما المستور هو صفقات خفية لا يعلمها إلا الله! قد يكون تحويل جزء من هذه المبالغ لدعم الصهاينة في تمويل العمليات الخبيثة، تشبه عملية اغتيال الشيخ الجليل أحمد ياسين، وكمحاولة اغتيال شخصية وطنية عربية مثل خالد مشعل سابقا الذي رميت على وجه مادة سامة كادت أن تنسيه اسمه لولا علاجه في عمان بالمادة السامة نفسها التي جلبت له من «إسرائيل»! أو تغيب قائدا اسلاميا عن الأنظار كما فعل من قبل بسماحة السيد موسى الصدر الذي اختطف وغيب عن الأنظار إلى اليوم ولايزال اختفاؤه سرا! أو محاولة اغتيال الأمين العام لحزب الله... أي أن مآل الأموال العربية تذهب إلى «إسرائيل»!
بينما الرئيس الأوروبي وبعد هذه المآدبة وهذا اللقاء العملي قد وجه رسالة إلى العرب بعودة العلاقات والصداقات من جديد بين الأسود والنمور التي لم تكن بطبعها على وئام يوما من الأيام بسبب نزاعها وخلافها اليومي على من يفترس الحملان والغزلان الأبرياء ومن يأخذ نصيب الأسد. إلا أن وبعد هذه الزيارة أعيد ترتيب سياستهما واستراتيجيتهما للمشاركة في توزيع الأضاحي بينهما كما توزع الأضاحي الفلسطينية كل يوم وخصوصا في شهر ذو الحجة، إذ يزداد عدد الجثامين والشهداء، والأقبح أن الرئيس الأوروبي من المباركين للصهاينة هذه المذابح ووقوفه ودعمه لـ «إسرائيل» لأنه من جذور صهيونية.
وأهم ما في الأمر أن الرئيسين اتفقا في بيانهما الختامي على تأسيس دولتين يعيشان جنبا إلى جنب هما الحملان والأسود، أي «الفلسطيينين والصهاينة»! فمتى عاشت الحملان والأسود جنبا إلى جنب؟!
مهدي خليل
العدد 1967 - الخميس 24 يناير 2008م الموافق 15 محرم 1429هـ