كنّا باعتبارنا أسرة (نووية) من أب وأم وطفل واحد، نعتبر أنفسنا من الطبقة المتوسطة، وخصوصا بعد أن قمنا - بعد جهد جهيد وعمر مديد - ببناء مسكن وتخلّصنا من تبعة دفع الايجار، وإن كانت قروض المصارف (تقرض) الراتب، إلا أننا لم نكن نتذمر طالما كان حالنا أفضل من غيرنا! (كنّــا) نعدّ انفسنا من الطبقة المتوسطة لأنه كان في إمكاننا ان نذهب للتسوق في المحلات الكبيرة لشراء مؤونة المنزل الشهرية، ونقوم عندها بتخيّر الماركات الجيّدة والراقية نسبيا ونحرص على شراء ما يتناسب وذوقنا بغض النظر عن السعر، وقد تتجاوز احيانا قيمة المشتريات ما تمّ ادراجه في القائمة وما تمّ الاتفاق عليه، فلم نكن نلقي لذلك بالا. وربما تدخّل الولد وفرض رأيه في شراء بعض «التوافه» أو أشياء لا حاجة حقيقية لنا فيها، ومع ذلك كنا نتقبّل ذلك من دون تردّد أو تفكير طويل!
هل عساي ان اذكر نوعية الشاي والحليب والمنكّهات والمكمّلات الغذائية وماركة صابون الغسيل والشامبو ومعطّر الجو والمنظّفات... والأشياء الأخرى التي (كانت) تشكّل اهمية بالنسبة إلينا نظرا لكونها تعطينا (برستيجا) خاصا! وتضفي على المنزل والمائدة والمطبخ رونقا ورائحة ونكهة وكشخة و «غرورا»!
وهل اذكر اننا كنا ندلّل طفلنا بشراء اكثر من بذلة للعيد ونحرص على ان تكون من محل راق او من محل (يحاول) ان يكون راقيا في نوعية وجودة الملابس التي يبيعها!
هذه الأمور الصغيرة والتفاصيل الحياتية البسيطة هي التي كانت تجعل للحياة بعض المذاق يميل إلى الحلاوة احيانا وإلى الملوحة احيانا اخرى، غير اننا كنا متمسكين (بطقوس التسوّق) هذه، ونعتبرها نافذة نطل بها على حياة انسانية كريمة... وخصوصا في ظل عدم قدرتنا على السفر او الترحال السياحي!
أما اليوم، فقد تغيّرت مبادؤنا... وطقوسنا الشرائية وطبيعتنا التسوّقية! وصرنا نبحث عن سلعة (الحجم العائلي)... والسلعة التي كتب عليها بالخط العريض (وفّر) والسلعة التي كتب عليها (اشتر اثنين واحصل على واحد) والسلعة التي زيد حجمها وظل سعرها ثابتا... و... و...! أما (البرستيج) فقد صار ترفا لا طاقة لنا به!، فماركة الشاي والحليب والصابون والشامبو ... لم تعد مهمة... يكفي أي شاي يغيّر لون الماء الى أي لون آخر! واستغنينا عن المكمّلات الغذائية والنكهات... (ما لنا والنكهات)؟! واستعضنا بالبخور عن معطّر الجو لأن البخور بعضه (رخيص وقوي)!
هذا عدا اكتفائنا ببذلة واحدة للولد في المناسبات والأعياد... صرنا الآن نضرب اخماسا في اسداس ونضع موازنة (خمسية) كلما قررنا شراء آلة أو جهاز جديد للمنزل!... وصار السؤال الكبير... يصر علينا: هل مازلنا من الطبقة المتوسطة، أم الطبقة المتورطة؟! إذ صرنا نغيّر طباعنا وعاداتنا وشكلنا للأدنى والأسفل!... وإذا لم نكن من الطبقة تلك... فالزلزال الذي اصاب وضعنا المادي، كم نسبته على مقياس... المجتمع البحريني؟! وإلى أين نزل بنا... مع الطبقة الدنيا أو سيأخذنا إلى طبقات الأرض! وخصوصا ونحن نتوقع الأسوأ ونجد أن الأيام المقبلة سوداء (كقرن الخرّوب)!
جابر علي
العدد 1967 - الخميس 24 يناير 2008م الموافق 15 محرم 1429هـ