منذ زمن بعيد والأمة الإسلامية تحتفل بذكرى واقعة كربلاء الدامية التي حدثت فصولها القاسية قبل 1368 سنة هجرية، وتحديدا وقعت في العام 61 هـ، التي أستشهد فيها الإمام الحسين بن علي حفيد رسول الله (ص) وكوكبة من أهل بيته وأصحابه، ومثل بأجسادهم بأبشع صورة وأقساها. وفي كل حقبة زمنية يطرأ على الاحتفال بهذه المأساة المؤلمة تطورا نوعيا يتناغم مع تطورات العصر، وفي وقتنا الحاضر تنوعت الفعاليات التي تقدم في هذه الذكرى الحزينة، والسؤال الذي يطرح بين وقت وآخر على المحتفلين بهذه الذكرى التي أدمت القلوب الإنسانية وأدمعت عيون البشرية، لماذا أنتم تصرون على إحياء هذه الذكرى التي مر عليها أكثر من 1368 سنة هجرية؟ فكانت الإجابات على هذا السؤال كثيرة ومتنوعة ومن زوايا مختلفة ومن أعمار متفاوتة ولكنها جميعها تلتقي في نقطة واحدة: أن الحدث الذي يمس المشاعر الإنسانية لا يموت ولا يضمحل من أذهان أبناء الأمة الإسلامية مهما تعاقبت عليه الأزمان وتعددت فيه الأماكن وتلونت فيه الظروف والأحوال.
حدث تجلت فيه كل النبل السامية والأخلاقيات العالية التي جسدها الإمام الحسين (ع) في كل خطواته، وفي الجانب الآخر وضح للأمة حال من يتنازل عن قيمه بأبخس الأثمان الذي دفعه بمواجهة الرقي الإنساني الذي مثله الإمام الحسين بأروع صوره، وبانتهاكات صارخة لكل القيم الفاضلة والأعراف البشرية والإنسانية مخالفا بذلك للنواميس الشرعية بكل معانيها السامية، ذلك لا يمكن نسيانه ولا يتمكن العقل الإنساني من حذفه من ذاكرته الإنسانية، فأصبح في عصرنا الحاضر الاحتفال بهذه الذكرى الأليمة بمثابة الرسالة الواضحة التي توجه في كل عام للتنديد بمختلف أصناف «الإرهاب» الذي يحصد في كل يوم العشرات من الأبرياء في مختلف بلداننا الإسلامية.
وأمة تقدر رجالاتها البارزين بتقواهم وورعهم وتفانيهم في سبيل الله ويقدمون من أجل ذلك الهدف كل غال ونفيس، لا تموت ولا تنتهي على مر العصور والأزمان. فالأمم الأخرى تتمنى أن يكون عندها رجل كالحسين لتقيم له الاحتفالات والمراسم والمواسم الثقافية لتتباهى بإمكاناته النفسية والمعنوية والعلمية أمام العالم.
الحسين ضرب للعالم الإنساني أجل الأمثلة من خلال مشروعه التصحيحي في الدفاع عن الحق والمطالبة بتحقيقه، ورفضه كل أنواع التجاوزات الأخلاقية التي تضر بالإنسان في كل جوانبه الروحية والعقائدية والنفسية والحياتية والاجتماعية، قالها بصوت عال وتناقلته الأجيال عبر التاريخ الطويل «إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر»، فذلك تلبية لقول جده المصطفى (ص) عندما قال عنه «حسين مني وأنا من حسين»، وكذلك قال (ص) فيه وهو طفل صغير لم يتجاوز عمره خمس سنوات «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»، بتلك الكلمات النورانية التي أطلقها الرسول الأكرم في أوساط الأمة الإسلامية، حمل الحسين (ع) مسئوليات جسام تجاه الدين الإسلامي وتجاه الإنسانية جمعاء التي قدم من أجلها جده الرسول الأكرم (ص) الجهود الكبيرة التي فاقت جهود كل الأنبياء والرسل، حتى قال (ص) «ما أوذي رسول كما أوذيت»، فالحسين حامل رسالة ربانية من جده المصطفى (ص) ألزم بتبليغها وكلف بالحفاظ عليها حتى ولو كان الثمن غاليا، وهو تقديم نفسه الزكية لتنهشها السيوف الحاقدة على الإنسانية على رغم معرفتها الأكيدة بمصيرها الأخروي بكل تفاصليه، ولكن حب الدنيا رأس كل خطيئة. عشقهم للدنيا جعلهم يطفئون النور الذي يوصلهم إلى جنة النعيم ويختارون بإرادتهم اتباع الظلام ليتيهوا في طرقاته الدامسة. لم يستطع أحد أن يقول إن ما فعل بالحسين وأهل بيته ناتج من جهل، فكل ما حدث في ذلك اليوم الرهيب من هتك وتنكيل واعتداء على الحرمات حصل عن علم ومعرفة ودراية واضحة لا لبس فيها ولا شبهة، وكل خطوة قام بتنفيذها الحسين (ع) كانت بمقاييس دقيقة ويقين راسخ بأن كل ذلك كان بعين الله.
سلمان سالم
العدد 1967 - الخميس 24 يناير 2008م الموافق 15 محرم 1429هـ