كانَ الجوُّ باردا، وزخّات المطر الخفيفة تتناثر من سماء الساعةِ الثانية صباحا الخريفية الداكنة. كنَّ أربع فتيات، ينتظرن سيارة الأجرة التي طلبنها لتقلهنّ إلى عمارتهن السكنية بعد أن انتهينَ من أداء أعمال ليلة القدر في مسجد المدينة البريطانية التي يواصلن دراستهنّ الجامعية بها.
وصلت السيارة بعد دقائقَ من الانتظار، ركبنْها، فحيّاهن سائقها بتحية الإسلام. لم يكن ذلك بالأمر الغريب، إذ أنَّ هناك جالية مسلمة كبيرة العدد في هذه المدينة. ردّتْ الفتيات التحية على السائق، وأخبرنه بالوجهة التي يبتغينها، ثم انطلقت السيارة. وصلت السيارة إلى العمارة، وقبل أن تترجّل الفتيات سألتْ إحداهن السائق عن الثمن، فأجاب: إنّه لكنّ بالمجّان... سادَ الصمتُ لبضع ثوان، وتقافزتْ علاماتُ الدهشة من عيونهنْ، إنّها بريطانيا، ولا شيء بلا ثمنٍ هنا أبدا. راحت الفتيات يطالعن بعضهنّ بعضا وكأنهن يردن التوصل إلى قرار ما، فسألته إحداهن ببعض التردد: ولكن، ما السبب؟ أجاب السائق بصوتٍ جادّ، وقد بدأتْ لهجته تدلّ على أنه باكستاني أو هندي الأصل: لأنكنّ فتيات جيّدات، هذا هو السبب!
ردّت عليه الفتاة بصوت مرتعش: شكرا لك!
فقال: أسألكنّ الدعاء!
شكرته بقية الفتيات، وقد أحسسنَ بشيء من الجذل قد عمّ نفوسهن. لم يكن ذلك بسبب التوصيلة المجانية طبعا، إذ إنها لم تكن لتكلف في العادة أكثر من ثلاثة أو أربعة جنيهات، إنما كان بسبب هذا الموقف. موقفٌ بسيط، لكنه كان من العمقِ والتأثير بحيث جعلَ كلّ واحدةٍ منهنَّ تحسّ بأنه مازال هناك في أية بقعةٍ من بقاع الأرض - مهما بدت غريبة - رائحة زكية للإسلام، وطعم رائع للمحبة والخير.
مريم حسين المهدي - بريطانيا
العدد 1995 - الخميس 21 فبراير 2008م الموافق 13 صفر 1429هـ