العدد 1995 - الخميس 21 فبراير 2008م الموافق 13 صفر 1429هـ

الولاء والوطنية ليسا رقصة أو أغنية

بين فترة وأخرى ينبري لنا بعض الجهابذة على صفحات الصحف ليتحفنا ببعض الروائع بشأن الولاء والوطنية، وليقسم الشعب ويصنفه بين أصحاب الولاء والوطنية وبين من لا ولاء لهم ولا وطنية لديهم، حتى أصبح الفرد يصاب بالغثيان ودوار البحر من كثرة ما استهلكت هذه العبارة ولاكتها الألسن.

إن البعض من لا يربطهم بهذه الأرض إلا الجواز، ينصب عبارة الولاء والوطنية فزاعة في وجه هذا الشعب، ليصبح الغريب الوافد هو ابن البلد البار، وصاحب الأرض والدار، المواطن الأصلي صاحب التاريخ العريق، مشكوكا في ولائه لأرضه وانتمائه لوطنه الذي امتد تاريخه على ثراه لآلاف السنين!

إن عدم الولاء والوطنية تهمة معلبة جاهزة ترفع في وجه كل من يطالب بالحق والإنصاف والعدل، ومن أجل التغطية على مواقع الفساد. إن الولاء للوطن ليس وصفة طبية يشتريها الفرد من الصيدلية، وليس خلطة سحرية بمجرد أن يتناولها الغريب عن الوطن تظهر عبارة على جبينه مكتوبة باللغتين العربية والانجليزية لتقول: «هذا مواطن بحريني أصيل يحمل الولاء للوطن»!

أيها السادة، إن الولاء للوطن ليس رقصة يؤديها البعض أو أغنية يرددها أحدهم ليقبض آلاف الدنانير! إن الولاء للوطن ليس جواز سفر يحمله الفرد في جيبه ليبرزه في وجه الذين يشكون في انتمائه لهذه الأرض الطيبة بسبب الهيئة أو اللغة أو اللهجة.

إن الولاء للوطن والانتماء للأرض أكبر وأعظم مما ذكر، إنه محصلة خلطة مكونة من التاريخ والجغرافيا واللغة واللهجة والعادات والتقاليد والحرف والصناعات والأمثال الشعبية. إنه حصيلة تاريخ طويل توارثته الأجيال، دلائله وبراهينه في الآثار والحفريات.

إن حب الوطن والارتباط به أمر طبيعي يسري في جسم الإنسان مسرى الدم في العروق، إنه جوهر لا عرض، ولب لا قشور، يرضعه أحدنا من ثدي أمه ويتحدر إليه من صلب أبيه، وليبرئ ذمتي الشاعر العراقي المرحوم الشيخ حسين بن محمد بن نجف في أن أقتبس أبياته مع التصرف:

لا عذب الله أمي إنها شربت

حب البلاد وغذتنيه في اللبن

قد كان لي والد يهوى ثرى وطني

فكنت من ذي وذا أهوى ثرى وطني

لقد كان الناس فيما مضى من زمان لا يحملون جوازات سفر ولا أوراق ثبوتية، ولم تكن هناك حدود ولا قيود على التنقل، ومع ذلك كان الناس يعرف بعضهم بعضا من خلال الهيئة واللغة واللهجة فيقال: هذا بحراني (نسبة إلى البحرين... هكذا تكلم العرب)، وهذا عماني، وهذا شامي، وهذا يماني، وهذا مغربي، وهذا إيراني... الخ.

إن الولاء للوطن لا يشترى بمال ولا بجنسية يكتسبها الفرد، إن الوطن أغلى بكثير، إنه عديل الروح بل أغلى من الروح، فالمواطن الأصلي مستعد لتقديم حياته فداء لوطنه، أما من ينظر إلى هذه الأرض على أنها مجرد بقرة حلوب يمتص حليبها آخر الشهر ليحوله إلى خارج الحدود، فإنه غير مستعد لتقديم أي شيء مهما رخص ثمنه.

إن من علامات الولاء للوطن والارتباط به لدى المواطن الأصيل، ذلك الشوق الطاغي والحنين الجارف لأرض الوطن عندما يسافر إلى أية بقعة من بقاع العالم، حتى لو كانت جنة الله على الأرض، وقد يضطر رب العائلة إلى تقليص مدة الإجازة ليعود إلى أرض الوطن، على عكس ذلك «المستوطن الدخيل» فإنه ينتظر على أحر من الجمر حلول الإجازة السنوية ليشد الرحال إلى وطنه الأصلي في الشرق أو في الغرب ليلتقي الأهل والأحبة متمنيا أن تطول الإجازة وتطول قبل العودة إلى «وطن الجواز». إن المحك الحقيقي لاختبار الولاء والوطنية هو أوقات الأزمات، فلا سمح الله لو تعرض هذا الوطن الغالي لأي خطر - كما حصل لدولة الكويت الشقيقة - ستجد أول الفارين والهاربين من سفينة الوطن هم مواطنو الجوازات والمنفعة، أما الذين سيصمدون حتى آخر نفس وآخر قطرة دم فهم أبناء هذه الأرض الذين لا وطن لهم غير هذا الوطن، لا في شرق الأرض ولا في غربها ليشدوا الرحال إليها.

لقد شاء القدر أن نعيش في هذا الزمن الرديء الذي يشكك في وطنيتك من لا رابطة له بهذه الأرض ولا صلة له بهذا الوطن إلا ورقة حصل عليها قبل ساعة من زمن، ومن هوان الدنيا على الله أن يقيم وطنيتك وولاءك من لا يميز الصافية من العنفوز ولا الربيبة من الشحدود، ولا يفرق بين الخلاصة من الماجية ولا بين الغراية من السلمية، ولا يميز بين ماء اللقاح من ماء المرقدوش!

إن أكبر دليل على أن منح الجواز وإعطاء الجنسية لا يغرسان عند الشخص الولاء والمحبة للوطن الذي منحه ذلك الجواز، التفجيرات الإرهابية التي حصلت في بريطانيا وراح ضحيتها الكثير من الأبرياء على أيدي أشخاص يحملون الجنسية البريطانية إلا أنهم ينتمون إلى إحدى الدول الإسلامية الآسيوية، عاشوا على أرض بريطانيا وتمتعوا بخيراتها ورعايتها وخدماتها إلا أن كل ذلك لم يثمر فيهم، وظل ارتباطهم بوطنهم الأم يتلقون منه الأوامر ليقوموا بالقتل وقطع الرؤوس معتبرين ذلك جهادا في سبيل الله ونصرا للإسلام!

أسأل الله أن يحمي وطننا العزيز من مثل هؤلاء، وفي مملكتنا الغالية الكثير منهم من جاء بهم «تسونامي التجنيس»، ومن الفزاعات التي يرفعها البعض موضوع رفع صور بعض المراجع في بعض المناسبات أو تعليق بعض صورهم في المآتم أو في البيوت بدعوى أن مثل ذلك دليل على عدم الولاء للوطن!

أقول لهؤلاء: إن بعض الشخصيات وبعض الرايات تتحول إلى عابرة للقارات بما تمثله من رمزية بفعل مواقفها وبطولاتها في الدفاع عن أوطانها ومبادئها، ما يجعلها بحق شخصيات إنسانية. أو بحكم ما تحمله من علم ومعرفة يجعلها معينا يقصده طالبو المعرفة. ومن الشواهد على ذلك رفع صور السيد حسن نصر الله ورايات «حزب الله» من مدينة الرباط أقصى المغرب إلى جاكرتا أقصى الشرق، بعد الصمود البطولي لحزب الله والهزيمة المنكرة التي أوقعها بأقوى جيش في المنطقة بحسب تقرير «فينو غراد»، هذا الانتصار الذي أعاد الكرامة إلى الأمة العربية والإسلامية وحقق لها ما عجزت عنه الجيوش العربية في كل مواجهاتها مع العدو الصهيوني، فهل يمكن أن نتهم كل هؤلاء من عرب وغير عرب بأنهم لا ولاء لهم لأوطانهم؟! إن بعض الأشخاص قد يعلق في بيته صورة المهاتما غاندي أو صورة نلسون مانديلا أو صورة جمال عبدالناصر لإعجابه بهذه الشخصيات فهل نقول له بأنك عديم الولاء لوطنك؟! وهناك من يعجب بأحد اللاعبين فيعلق صورته في سيارته أو في غرفته، وقد يلبس البعض ملابس الفريق نفسه الذي يؤيده ويعشق لعبه حتى لو كان هذا الفريق أوروبيا أو من أميركا الجنوبية أو من إفريقيا... فهل كل هؤلاء لا ولاء لهم لأوطانهم؟!

في فرنسا، وفي أعرق الجامعات، وفي أكبر صالة في كلية الطب، تتصدر صورة للعالم المسلم الطبيب العبقري المرحوم الشيخ الرئيس ابن سينا، ولم يعلقوا صورة الجنرال ديغول بطل التحرير... فهل نتهم الفرنسيين بعدم الولاء لوطنهم؟!

أما موضوع وضع صور بعض المراجع فقد أشبع هذا الموضوع بحثا، وتعليقا إلا أن الطرف الآخر لا يريد أن يقتنع ويصدق - لحاجة في نفس يعقوب – أيها السادة إن علاقة الشيعة بمراجعهم لا يحكمها وطن، ففي مملكة البحرين جماعة تقلد السيد السيستاني، ومجموعة باقية على تقليد المرحوم السيد أبوالقاسم الخوئي، وهناك من يقلد السيد الخامنئي، ومنهم من بقي على تقليد المرحوم السيد الخميني، ومجموعة تقلد السيد محمد حسين فضل الله، والبعض مازال على تقليد المرحوم السيد محمد أمين زين الدين - أصله من

البحرين وتوفي في العراق - وهناك جماعة من كبار السن مازالوا على تقليد المرحوم الشيخ يوسف آل عصفور البحراني صاحب كتاب «الحدائق»، والبعض منهم مازال على تقليد المرحوم العلامة الشيخ حسين آل عصفور البحراني، وجماعة باقية على تقليد المرحوم العلامة الشيخ عبدالله الستري، كما أن المرجعية كما أسلفت ليست مربوطة بوطن؛ فقد يأتي يوم يكون المرجع في باكستان أو سلطنة عمان أو في القطيف أو الإحساء أو من البحرين، وقد تتوزع المرجعيات على أكثر من دولة ووطن، فكيف نوزع الولاءات؟!

إن أفراد هذه الطائفة الكريمة لا يتلقون أوامرهم من الخارج، وعلاقتهم بمراجع التقليد لا تتعدى الحصول على الفتاوى في أمور العبادات والمعاملات. وما رفع صورهم أو تعليقها إلا تعبيرا عن الاحترام والتقدير ولا علاقة للموضوع بالولاء للوطن أو المحبة للأرض.

أيها الأخوة الأعزاء ليس من فقهاء هذه الطائفة من يفتي بتكفير الآخرين أو يجيز استباحة الدماء البريئة. إن قطع الرؤوس وتفجير دور العبادة والأسواق والطائرات والقطارات والحافلات التي راح ضحية لها الملايين ومازالت تحصد من دون تمييز، كل ذلك صدر بفتاوى فمن الذي أفتى بها؟ ومن الذي نفذ؟! إن منهج مراجع هذه الطائفة كما هو منهج أهل البيت (ع) هو مد يد الأخوة والمحبة والتآلف ولم الشمل وليس القتل والدمار.

أيها الأعزاء إني لأجزم بأن هذه الطائفة الكريمة لو علقت صور القيادة ورفعت أعلام البحرين في كل ركن وزاوية من البيوت والمآتم والمساجد والشوارع والأزقة سينبري من يقول: إنها التقية وإنهم يظهرون عكس ما يبطنون فلا تصدقوهم ، إن المسألة أكبر من تعليق صورة أو رفع علم!

أيها السادة دعوا هذه البضاعة الفاسدة وابحثوا لكم عن بضاعة طيبة تفتحون بها دكاكينكم وتعتاشون من خلالها، اعرضوا في

دكاكينكم نشر المحبة والألفة بين أبناء هذا الشعب، احرصوا على لم الشمل ورأب الصدع وتوحيد الكلمة، ابحثوا عن القواسم المشتركة وهي كثيرة، ذروا ما يفرق ويباعد، احثوا التراب في وجوه مثيري الفتنة وناشري البغضاء، حاربوا هذه الثقافة الغريبة التي غزت هذه الأرض الطيبة قادمة من وراء الحدود.

حفظ الله مملكتنا الغالية من كل سوء ومكروه إنه سميع مجيب.

إبراهيم حسن إبراهيم

العدد 1995 - الخميس 21 فبراير 2008م الموافق 13 صفر 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً