بَعيدا عَن مَوَائِدِ اللُّغَةِ المُتخِمَة ، وَالمُتخَمَة بِالنَّقد، الَّتِي تَدَلَّى مِن كُروشِ مُحَسِّنَاتِهَا البَديعيةِ وَالبَلاغِيَّةِ قُطُوفُ المِثَالِيَّة، هُنَالِكَ مَن يُبدِع، وَسَطَ الفَاقَةِ وَالحِرمَان! وَفِي اعتِقَادِي، مُعظَمُ مَا قُرِئ مِن مُبدَعٍ – إِن لم يكن بَكاملِه – جَـاءَ بِسَببِ استِشعَـارِ الحِرمَان الحقيقي، فَمَا يَخفَى عَن العَديد، أَنَّ لِلجُملَةِ رُوحَـا، تَستَنطِقُها عَينُ القَارِئ، وَفِي غالبية الأَحيَـان، تُكشَفُ أَثوابُ الجُمَـل الصَّادِقة، وَالجُملِ الكَاذِبة، أَوِ الخَادِعَة، فَمَـا يَخرُجُ مِن بُحبُوحَةِ القَلبِ يَدخُل لِلقَلبِ بِوَمضَة.
وَمُشكِلَةُ البَعض، أَنَّهُ يَتَصَوَّر بأَنَّ مِنَ المُمكِن خَلق إِبدَاع أَفضَـل، خَـارِجَ رَحَى العَذَابِ وَالاضطِّهَاد، وَيَغِيبُ عَن انتِبَاهِه أَنَّ الطَّقسَ الأَجمَـلَ لِلمُبدِع، هُوَ الطَّقسُ الَّذِي يُوَفِّر جميع المُستَلزَمَـات المُنَـاسِبَة لِطُقُوسِ الآه... فََـلا حَرَارَة لِلعِبَـارة، إِن لَم يَستَشعِر المُبدِعُ أَلَـم النَّفي.
لَكِن فِي مُقَابِل هَذَا، هُنَالِكَ مُبدِعُون، يُتقِنُونَ قِرَاءَةَ الصَّمتِ وَمَا وَرَاءَ الصَّمت، وَليسُوا فِي حَـاجَةٍ إلى الانسكاب وَسَطَ قَوَالِب المُعَـانَاة، لِيرسُمُوا بِالحُروف كِذبَةَ الإِحسَاس –أَعذَبُ الشِّعر أَكذَوبُه – أو يَستَخرِجُوا مِن ذُرى الرَّمَادِ أَثَر الحَريق... وَهُم قِلَّة.
يَبقَى بأَنَّ لِلفَاقَةِ رَصِيفا، لاَ يَتَسَوَّلُ قُربَهُ إِلاَّ الهَارِبُون مِن عَوالِمِ الذَّوَات، وَسُكَّانُه... وُلِدُوا مَعَ مُعَانَاتِهِم عَليه... رُبَّمَا أَعود!
باقر درويش
العدد 1995 - الخميس 21 فبراير 2008م الموافق 13 صفر 1429هـ